الحركات الإسلامية وشرعية الوجود بين الدعوي والسياسي

جمال حاج علي
الثلاثاء ١٢ ٠٧ / ٢٠١٦
بعد أن أعلن زعيم حركة النهضة في تونس الشيخ راشد الغنوشي في مؤتمر الحركة العاشر المعقود بتاريخ 20/5/2016م ما اصطلح عليه الفصل بين الدعوي والسياسي، وأن الحركة سيكون عملها منصبًا على الجهد السياسي، وأن العمل الدعوي هو من مهمة علماء الدين والدعاة والأئمة والوعاظ؛ بين بصورة لا لبس فيها أن الهدف هو فصل المهام والوظائف وتحديد الصلاحيات ورسم الحدود.

لقد اطلعت على عدد غير قليل مما كتب عن هذا الأمر، ورأيت الناس في تحليلاتهم قد اتجهوا يسارًا ويمينًا، وقد خاض في ذلك من ادعوا الحرص على الحركة وأنها قد تفتتت وخلعت ثوبها الإسلامي، لتلبس ثوبًا علمانيًّا بحتًا يجعلها نسخة عن باقي الأحزاب العلمانية، ما يفقدها مسوغ وجودها، وهناك من قال: "إن ما فعلته النهضة في تونس جريمة بحق الحركات الإسلامية وخاصة حركة "الإخوان المسلمون"، إذ يَعُدُّ هذا الفصل إدانة للإخوان الذين قدموا وضحوا وساندوا الشعوب المنتفضة على الظلم والاستبداد (خاصة في مصر)، وتراجعًا عن نهجهم وتبرئة من منظومتهم الحركية.

وآخر ما قرأت كان لأحد الكتّاب الذي أفرد مقالته لمناقشة التكاليف التي أنفقت في هذا المؤتمر ووصفها بالباهظة، وقال: "أعدت قاعته وشكله كما مؤتمرات الأحزاب في أوروبا وأمريكا، ليعطي بذلك رسالة عن مدنية هذا الحزب بثوبه الجديد، وخاض في الأخطاء التاريخية التي اقترفتها "النهضة"، ثمّ عرّج على الاختلاف والتباين بين قيادات حركة النهضة وزعيمها التاريخي".

وللمرور على فكرة "الدعوي والسياسي" أرى من وجهة نظري أن المشكلة في هذا النتاج تكمن في أمرين: أحدهما داخلي متعلق بالحركات الإسلامية، والثاني خارجي متعلق بالنخب السياسية الحاكمة والأحزاب الأخرى المختلفة: اليسارية، والعلمانية، والأحزاب التي احتكرت لنفسها لفظ "المدنية" أو "الليبرالية".

ولو تعرضنا للمشكلة الأولى المتعلقة بالحركات الإسلامية فلابدّ أولًا من الحديث عن نشأة هذه الحركات، التي بدأت بالظهور في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ تعددت أهدافها من الإصلاح الاجتماعي المبني على أسس عقدية إلى المشاركة في محاربة بقايا "الاستعمار"، كما حدث في مصر ودول شمال إفريقيا وبلاد الشام، ثمّ تحولت هذه الحركات بعد "استقلال" الدول العربية إلى النقد ومحاربة الفساد الاجتماعي والسياسي، وكل ذلك كان يعتمد بصورة أساسية على الكلمة، سواء أكانت خطابة أم وعظًا أم كتابة، وأحيانًا عن طريق التظاهر، وإن كان شحيحًا بسبب قوة الردع التي كانت توجِّهها السلطات.

لقد باءت أغلب محاولات الحركات الإسلامية للمشاركة السياسية مع أنظمة الحكم بالفشل، بسبب حصارها والتضييق عليها، ما انعكس على تجربة الحركات الإسلامية في الحكم فيما بعد، إذ تعد هذه التجارب ضعيفة بسبب قلة الممارسة وعدم تراكم الخبرة، ما يؤدي إلى الوقوع في أخطاء تجعل المنكرين على الحركات الإسلامية مشاركتها السياسية يصوبون سهامهم ونفوذهم للنيل من هذه الحركات وإجهاض تجربتها، فما حدث في الجزائر عام 1992م لا يغيب عن الأذهان، ثمّ ما حدث في الأردن، حيث شاركت الحركة الإسلامية في الانتخابات وحظيت بنتائج جيدة وشاركت في الحكومة، ليُقر بعدها قانون الصوت الواحد لحرمانها جماهيريتها في الانتخابات، وقد جاءت بعد ذلك التجربة الفلسطينية على خصوصيتها، فكان من نتيجتها الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي، وما تبعه من حروب على قطاع غزة، وأخيرًا ما حدث في مصر وتونس، إذ أُقصيت جماعة "الإخوان المسلمون" في مصر من المشهد السياسي بالصورة المؤلمة التي يعلمها القريب والبعيد، مع فوزها في خمس انتخابات ديمقراطية، وفي تونس أُجبرت حركة النهضة على التخلي عن الحكم الذي وصلت إليه بانتخابات ديمقراطية كذلك _بغض النظر عن المسوغات_ دون أن تكمل دورتها الانتخابية، وقد آثرت ترك الحكومة حفظًا للسلمين الأهلي والاجتماعي، وخوفًا من أن تُفرض عليها معركة يكون الخاسر الوحيد فيها الوطن التونسي بمكوناته وتاريخه، وينقلب فيه المشهد سوريًّا أو مصريًّا.

أما المشكلة الثانية التي تعد خارجية فهي تتعلق بالدولة وأجهزتها والأحزاب التي تشكل مظلة للسلطات الحاكمة، تُروّج هذه السلطات أنها الحامي للبلاد ونهضتها وتقدمها، وقد ادّعت خلال عقود أنّ حركات ما يعرف بـ"الإسلام السياسي" حركات رجعية تريد أن تعيد الأوطان إلى عصر الناقة والجمل، وأنها تعادي الحداثة والتطور، وحاولت إقناع الجماهير بأن الحركات الإسلامية هي صنيعة الغرب وحركات عميلة له، وأخفت هذه النخب الحاكمة تواصلها التاريخي مع أجهزة المخابرات الغربية، وأنّ جيوشها وقادة أجهزتها وأبناء حكامها درسوا وتخرجوا في الكليات العسكرية الغربية، ولم تقطع تواصلها البتة مع مراكز توجيهها تحت عنوان تبادل الخبرات وعقد الدورات العسكرية والأمنية في الوطن العربي الكبير.

وفيما يتعلق بالمنافسة بين الأحزاب العلمانية والحركات الإسلامية ترى تلك الأحزاب أن الإسلام مؤثر أساسي في المنطقة العربية، فالمواطن العربي يميل بفطرته إلى دينه، ولذلك نجد أن عوام الشعب _وخاصّة الطبقة الوسطى_ تجد حاجتها لدى الحركات الإسلامية، ما يجعلها منافسًا قويًّا في أي انتخابات تجرى، وفي أي مستوى كانت، في القطاعات الطلابية ونقابات المعلمين والمهندسين والأطباء وغيرها، من هنا إن أغلب الأحزاب العلمانية واليسارية تجد نفسها في تحالف ظاهر معلن أو بصمت وتوافق مع النخب السياسية الحاكمة والمتحالفة مع أجهزة الدولة العسكرية والأمنية، وأحيانًا تموّل هذه الأجهزة بعض هذه الأحزاب لتمكينها من الصمود والوقوف ندًّا أمام الحركات الإسلامية، وهدفها الأساسي منع الحركات الإسلامية من الوصول إلى الحكم، وقد أدّى هذا الضغط على الحركات الإسلامية أحيانًا كثيرة إلى إنتاج تيارات إسلامية جهادية، خرجت في طريقة عملها عن الإجماع الوسطي الذي يعتمد على السلمية والحكمة والموعظة الحسنة، هدفها تقويض منظومة الحكم الاستبدادي في هذه الدول.

من هنا أرى أن تجربة النهضة الجديدة من بين أهدافها حماية المنظومة المجتمعية من الانزلاق إلى العنف، إضافة إلى حماية نفسها حركةً من المخاطر التي قد تودي بوجودها في ظل الهجمة المستعرة على الحركات الإسلامية ورائدتها حركة "الإخوان المسلمون"، التي تُشَن عليها حربًا بلا هوادة في أغلب الأقطار العربية، وأخيرًا السعي إلى تمكين العمل الدعوي من القيام بوظيفته بصورة مسموح بها وبحرية تجعله يحفظ وجوده.
إنّ ما قامت به حركة النهضة في تونس قراءة للواقع المرير الذي تحياه الساحة العربية، ومحاولة لدرء الأخطار المحدقة التي قد تجتاح الساحة التونسية صاحبة الزهرة الأولى في الربيع العربي.

لقد أرسلت حركة النهضة التونسية بفصلها الدعوي عن السياسي رسائل عِدّة، داخلية وخارجية، هدفها الأساسي حماية وجودها وشرعيّته، وقد قدمت عذرها وحجتها لخصومها، ولم تُبْقِ في جعبتها من الوضوح إلا الشمسَ في أيدي خصومها، فهل يكون جوابُهم لها ما قاله بخيل مروٍ للبغداي الذي أكرمه سنوات، وعندما زاره ذات مرةٍ أنكره، فخلع البغدادي قلنسوته وعباءته زيادةً في التعريف، فقال البخيل له: "لو خرجت من جلدك ما عرفتك".

ملفات أخرى متعلفة