إقرأ المزيد <


فلنسقِط أيضاً الديكتاتور ... السيجارة

د. عبد الله الأشعل
ثلاثاء ١٥ ٠٢ / ٢٠١١
ثورات مباركة ومتتالية بدأت تعم أرجاء الوطن العربي الحبيب, لتطيح بالديكتاتوريات العفنة البغيضة التي جثمت على قلوب وعقول المواطن العربي العزيز بطبعه الكريم بأصله, لتقطع عنه سبل التواصل مع الكرامة الإنسانية والعيش الحر اللائق دون وصاية أو عبودية إلا لله الواحد. لقد سقطت حالة الرق لأنظمة مارقة قتلت الروح ونهبت المال وهتكت العرض, ذهبت إلى غير رجعة, لتبدأ مرحلة التحرر الوطني الحقيقي في بلاد وطننا الحبيب. إنها الروح الثائرة التي تستطيع فعل المستحيل, إنها الروح التي يتوفر منها مخزون هائل لدى أبناء شعبنا المتمرد على كل أشكال العبودية منذ زمن بعيد, فهل ستعجز تلك الروح عن الثورة على ديكتاتورية السيجارة التي تتحكم في العديد من شبابنا وأبنائنا.

إن الكثير والكثير جداً من المقالات والمطبوعات والمنشورات والبرامج والخطب والندوات والدروس, عدا عن الأبحاث الطبية والنفسية المثبتة عن الأضرار الهائلة للتبغ على المستوى الصحي (وذلك بالتأثير المباشر وغير المباشر على جميع أجهزة الجسم من الجهاز التنفسي إلى الدورة الدموية وأمراض القلب والكلى وغيرها من السرطانات القاتلة) وأيضاً على المستوى النفسي والاجتماعي (وذلك عن طريق إيثار السيجارة ووضعها في أولوية المستلزمات على ميزانية العائلة رغم أن أكثر المدخنين هم من الطبقات المحتاجة لكل ما يمكن توفره من مال, إذ يكفي أن نعلم أن ما ينفقه أبناء الضفة والقطاع فقط على التدخين يساوي 480 مليون دولار في العام الواحد, وتلك هي بالطبع أموال تحرق دون أدنى فائدة ترجى, كذلك فإن الشيخوخة المبكرة والضعف العام الذي يحدثه التدخين للشخص هو عامل مهم جداً يتسبب في إحداث توتير نفسي واجتماعي داخل الأسرة, وكل ذلك إلى جانب ضياع الثقة بالنفس بسبب حاجة المدخن المتواصلة لتلبية الحاجة للتبغ, تلك الحاجة التي قد تتطلب منه في أحيان كثيرة التنازل عن كرامته, بل وربما أكثر من ذلك، مما يؤدي إلى بروز المشاكل العائلية التي تصبح فيما بعد أساساً للتأثيرات السلبية سواءً من الناحية الاجتماعية أو النفسية. إن طغيان السيجارة وتملكها زمام النفس وتجعلها عبداً مطيعاً لأهوائها لهو شكل مهين من أشكال الديكتاتورية العفنة التي لا تقل في أهوالها عن الدكتاتوريات المتهالكة في عالمنا العربي , فكما أن الطغاة البائدين قتلوا ونهبوا فالسيجارة أيضاً تقتل وتنهب , وكما أن الطغاة سلبوا المليارات فالسيجارة أيضا تسلب المليارات, وكما أن الطغاة أهانوا الإنسان وامتهنوا كرامته وعزته فالسيجارة أيضا تمتهن الكرامة والعزة وتهين الإنسان وتذل النفس البشرية, وكما أن الطغاة استعبدوا البشر فالسيجارة أيضا تستعبد الإنسان وتجعله يتخلى عن الكثير من مبادئه ومعتقداته من أجل الحصول عليها وكثير هي القصص التي تروي كيف أن الحاجة للتدخين أوقعت العديد من الشباب في شباك ومصائد الرذيلة والإدمان على المخدرات, ومن ثم الوقوع فريسة لما هو أعلى من مراتب الفساد والعمالة.

لسنا في حاجة للحديث عن ثبوت حرمانية التدخين من الناحية الشرعية, فهي ظلم للنفس وإيذاء لها ومهلكة لها وهذا شبيه بما يفعله الديكتاتوريون الظالمون لهذه الأمة . إنه تشابه هائل وبغيض بين ديكتاتورية الظلم والفسق والاستعباد التي تمارسها أنظمة القهر وبين حالة الرق والذل والضعف التي تفرضها السيجارة على الإنسان الحر فتجعل منه عبداً ذليلاً بلا إرادة, وهذا بالضبط ما لا يجب أن يكون عليه الفلسطيني الثائر الحر المؤمن بتحرير وطنه وأرضه والعامل من أجل رفعته وكرامته الإنسانية. لقد خلقنا الله أحراراً فلنحافظ على تلك الحرية ضد كل أنواع الديكتاتورية.

ملفات أخرى متعلفة