إقرأ المزيد <


الشعب الفلسطيني بين النكبتين

جمال حاج علي
ثلاثاء ٢٤ ٠٥ / ٢٠١٦
عانى الفلسطينيون بعد النكبة عام 1948م أيّما معاناة؛ فقد شُردوا في أصقاع الأرض بعد أن خسروا أرضهم وأموالهم وهويتهم الوطنية، لم يجد الفلسطينيون سندًا قويًّا من إخوانهم العرب يعيد لهم ما فقدوه نتيجة المؤامرة التي نفذتها أطراف عدّة كان نتيجتها ضياع أرض فلسطين؛ فلا الدول العربية بزعاماتها القومية والثورية واليسارية، ولا الملَكيّات ولا الجمهوريات قدمت الجهد المطلوب، ولا الإعداد الذي يناسب حجم الكارثة التي انتزَعت أقدس الأوطان من يد خير أمة أُخرجت للناس.

لقد أفاق الفلسطينيّ على نفسه بعد أن أُغشي عليه سنوات من هول الصدمة، فوجد أنه مشتت بين مخيمات فقيرة تفتقد الكثير من مقومات الحياة، ودولٍ يعطيها زهرةَ شبابه وملحَ عرقه لتبني نفسها مقابل دريهمات يُقيت بها عياله، لقد أضحى الفلسطيني بعد سنوات من النكبة لاجئًا بعيدًا عن وطنه، ينتظر ممن تشدقوا بالعروبة والثورة أن يعيدوا له وطنه السليب، ولكن ولات حين مناص، لقد وقعت تلك الدكتاتوريات في هزائم تلوَ الهزائم، وقمعت شعوبها باسم المصالح العليا لأوطانهم، وباسم المعركة المقدسة مع الكيان العبري، وإذا تلك الأنظمة تسعى إلى اتفاقيات سريّة وعلنيّة، لتتجنب شر الكيان مقابل أن يهنأ هو بفلسطين ومقدساتها.

لقد أسندت هذه الدول دورَ التحرير وإعادة الأراضي المحتلة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ورفعت عن نفسها العبء عندما اعترفت بالمنظمة ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، لتكون أمام شعوبها بريئة من أي تقصير أو إعداد أو مواجهة، ولذلك لم تر الشعوبُ الجيوشَ العربية تتحرك لنصرة بيروت عندما حاصرتها القوات الإسرائيلية، ووقفت هذه الأنظمة متفرجة لا تقدم أكثر من التنديد والاستنكار، وكذلك فعلت في كلّ المواجهات التي تبعت الحرب على لبنان.

لقد عرف الشعب الفلسطيني طريقه بعد التخاذل المخزي والتفريط المُتعمّد في قضيته، وبعد أن أُغلقت جبهات القتال في دول الطوق أمام الخيار العسكري في ظل أنظمة البؤس والعجز والهزيمة، وتناثرت القوات الفلسطينية بين دول شتى، عندها أشعل الشعب الفلسطيني شرارة المواجهة من الداخل الفلسطيني، حيث نشأت أجيال لا يعرف الخوف إليها طريقًا، فكانت البداية عام 1987م، إذ فجر الشعب الفلسطيني انتفاضته الأولى، التي أظهرت عجز جنديّ الاحتلال أمام الأطفال الذين تسلحوا بالحجارة، وأحرجت الذين كدّسوا السلاح بالمليارات أمام الشعوب ليتركوه يواجه مصيره بالصدأ والتلف.

ويشير تتابع الأحداث إلى أنّ الشعب الفلسطيني وقيادته اليومَ يتحملان المسؤولية كاملة أمام الأجيال وأمام التاريخ في الحفاظ على الروح الوقادة التي تنبعث من جيل إلى جيل، خاصّة بعد أن وصل قطار السلام إلى طريق مغلق، فلا عادت الأراضي المحتلة عام 1967م، ولا رجع اللاجئون إلى وطنهم.

يأخذ المتابعون للقضية الفلسطينية على منظمة التحرير الفلسطينية فشل مشروع التحرير الذي اختطته لنفسها، خاصة بعد مسيرة التسوية المضنية، التي بانت ثغراتها عند كلّ استحقاق اتفق عليه، ومن هنا إنّ الدور الذي قامت به منظمة التحرير يظهر _بلا أدنى شك_ عجز المنظمة بشكلها الحالي عن تحقيق الحلم الفلسطيني، وذلك لأسباب كثيرة، ولكن أهمّها أنّ المنظمة التي تعد إنجازًا فلسطينيًا إذ حوّلت القضية الفلسطينية من قضية لاجئين إلى قضية سياسية، قضية وطن مسلوب وأرض مصادرة؛ كان لابدّ لهذه المنظمة من التطور والنمو بمستوى مسيرة الأحداث التي مرت بها القضية الفلسطينية، وبمستوى صمود الشعب الفلسطيني وثباته وإصراره، فلا استطاعت المنظمة تطوير أساليب النضال والكفاح بشكل هرمي، ولا استطاعت أن تستوعب كل الطيف الفلسطيني الذي ظهرت ألوانه خلال العقود الثلاثة المنصرمة، وقد يتحمل هذا الأمر الفصائل المنضوية تحت منظمة التحرير، التي باسمها نفذت المشاريع التي قد تكون سببًا في إلغاء الإجماع الفلسطيني، ومن هنا إنّ الانقسام الحاصل في الشارع الفلسطيني لا يمكن أن ينتهي قبل إصلاح المنظمة التي يجب أن تكون بيتًا للكل الفلسطيني، ولا يكون ذلك إلا بأخذ الفصائل المنضوية تحت قبة المنظمة نفسها دورها الحقيقي بإصلاحها على أساس الشراكة الكاملة لكل الطيف الفلسطيني، وإنّ دور هذه الفصائل في عملية المصالحة دور استعراضي، ما لم تسبقه بإصلاح شامل لمنظمة التحرير والنظام السياسي الفلسطيني.

إن آفة الانقسام الفلسطيني من أشد ما عرض للُحمة الشعب الفلسطيني وتماسكه، وإن كان تشريد الشعب الفلسطيني من وطنه نكبة كبرى بسبب عوامل خارجية؛ فإنّ التمزق والتشرذم الفلسطينيين نكبة داخلية تعيق التخلص من آثار النكبة الخارجية، ولهذا أرى أنّ بيت الفلسطينيين (المنظمة) بصورتها الحالية وبدورها غير الفاعل جزء من المشكلة، وجب على قادتها وراعي مسيرتها العمل على تحديثها بالقوانين والتشريعات الخلّاقة التي تبدأ باستيعاب كل الفصائل الفلسطينية، على أسس الشراكة والإجماع التي انطلقت من أجلها هذه المنظمة.

ملفات أخرى متعلفة