إقرأ المزيد <


نيوتن والنكبة

وليد الهودلي
أربعاء ١٨ ٠٥ / ٢٠١٦
سقطت فلسطين بأيدي الصهاينة دون أن نكتشف قانون الجاذبية، كما فعل نيوتن مع حادثة سقوط التفاحة الشهيرة، منذ نكبة الثمانية والأربعين وسقوط فلسطين ما زالت هناك أسئلة فاغرة فاها دون أن تجد الإجابة الشافية، أهمها: أين نقف الآن بعد ثمانٍ وستين سنة؟، وهل نحن سائرون نحو تحقيق النصر أم المزيد من النكبات والهزائم؟، وكأننا نفتقد عقل نيوتن الذي أدرك كنه عملية سقوط التفاحة في حين مر عليها كثيرون قبله مرور الكرام، من يدرك الآن لماذا سقطنا هذا السقوط المدوي؟، نحن بحاجة إلى مثل نيوتن، بحاجة إلى من يقول لنا: "إن الجسم الساكن يبقى ساكنًا ما لم تؤثر عليه قوة تحركه"، لماذا سقطت فلسطين؟، وكيف؟، ما زال السياسي الفلسطيني المحنك لا يدرك عوامل السقوط؛ فالانقسام _مثلًا_ وتهلهل الصف لا علاقة لهما بالسقوط، الفساد الذي ينخر أجسادنا والتخلف والضعف في كل الميادين الثقافية والعلمية والتربوية والصناعية والزراعية والسياسية والقوة العسكرية كل هذا لا علاقة له بالسقوط، قانون الجاذبية لم يدخل في حساباتنا فسقطت في أيدي من يملكون معرفة خصائص هذه الجاذبية، كان الفرق بيننا وبينهم هو الفرق نفسه بين من رأى سقوط التفاحة فأكلها دون أن يغسلها، ومن رأى سقوطها ورأى معها قانون الجاذبية.

وتستمر حركتهم بصناعة ما يريدون على الأرض، وكأنها حقائق قديمة جديدة، يتحركون حسب قانون نيوتن للحركة (كل جسم متحرك يبقى متحركًا ما لم تؤثر عليه قوة توقفه أو تغير اتجاهه)، في حين نحن لما ندرك كيف نوقف هذا التحرك بقوة تؤثر عليه، تكون كافية لإيقافه وتغيير اتجاهه، ما زلنا نحلم بعملية سلمية وحالة إنقاذ من المجتمع الدولي لقوة نعتقد بنفوسنا المهزومة أنها فوق طاقتنا، نتصور أن عملية كهذه قادرة على إيقاف الاستيطان الذي يمشي بطريقة متسارعة، وغافلين عن قانون الحياة المكتشف من قبل نيوتن (وكل جسم متحرك يبقى متحركًا ما لم تؤثر عليه قوة توقفه أو تغير اتجاهه).

وهكذا يكون تحرير فلسطين وعودتها من السقوط، يحتاج إلى قوة كافية ذات زخم وحجم، وإلا بقي الاحتلال والاستيطان والعدوان متسارعة كما هي حاليًّا.
على السياسيين والذين يفقهون السياسة ويحللونها أن يخبروا الناس بحقيقة قوانين نيوتن، وأن لكل فعل رد فعل مساويًا له في المقدار ومعاكسًا له في اﻻتجاه، فلا نجعل الناس يتوقعون ويتأملون ويتمنون العودة، والخلاص من تبعات النكبة، والخروج من حالة السقوط، دون فعل حقيقي يحررنا من الجاذبية الصهيونية التي أدت إلى سقوطنا في أحضانهم، وهنا أرى معنى الآية الكريمة التي وصفت الناس المثقلين الذين سقطوا في جاذبية الهزيمة: "اثاقلتم الى الأرض"، أي جذبتكم قوة مصالحكم الذاتية وخرجتم من فلك قضيتكم لتدوروا في فلك نفوسكم، ليغلب الهم الخاص الهم العام؛ فتفروا بأرواحكم لا تريدون إلا الخلاص، ولو كان ذلك بسقوط الوطن.

ولقد كانت الحركة الصهيونية بعقيدة قتالية وروح متوثبة لصناعة وطن لها، والسيطرة على فلسطين بكل ما أوتيت من قوة وعلم وخبرة ومعرفة وتضحية وحشد ذاتي ودولي، في حين كنا في حالة من التخلف والضعف، وكنا جاهزين للانجذاب إلى الهزيمة أكثر مما كنا جاهزين لصد العدوان، وكانت هناك قوى ثورية دافعت وضحت، لكنها لم تكن بالقوة والفعل القادرين على منع السقوط والهزيمة.
واليوم نستطيع أن نرى بكل وضوح أمام قوانين نيوتن وقوانين السنن التاريخية والبشرية للنصر والهزيمة، ونقوم بقراءة سببية موضوعية، وهي المطلوبة منا بعيدًا عن المشاعر والعواطف والقراءات الغيبية التي لا ننكرها ولكن نربطها بالقراءة السببية المطلوبة، وبعيدًا عن الخطابات الوعظية التي تستهدف رفع معنويات الناس وبث روح البشرى في نفوسهم، فإننا عندما نعتقد بوجود الجاذبية فإن السقوط يصبح واقعًا لا محالة، وعندما نرى الانقسام يقود المرحلة، ونرى حالة من التردي السياسي والاجتماعي والاقتصادي على صعيد فلسطيني وعربي؛ فهل نتوقع أن هذه الجاذبية للنصر أم الهزيمة؟

يجب ألا نخدع أنفسنا ونقول في مراجعاتنا للنكبة وتبعاتها: "الانقسام نكبة جديدة وعامل من عوامل السقوط"، يجب أن نقول: إن الفساد السياسي، وهدر طاقات الأمة ومدخراتها المادية والبشرية هنا وهناك، في معارك عبثية لا طائل من ورائها؛ لن يقربانا سنتيمتر واحد للقدس، بل يبعدانا سنوات ضوئية، ومن العار طرح شعارات للقدس ونحن بممارساتنا وأفعالنا نبتعد عن القدس، القدس روح حضارية، وتحريرها بحاجة إلى نهضة حضارية شاملة تتوج بالتحرير العسكري، كما شهدت الأمة تحرير القدس في تاريخها المجيد، نهضة تطلق الطاقات الإبداعية في كل الميادين، وتحرر من آصار وأغلال أية جاذبية تؤدي إلى السقوط، نهضة تحررنا من عوائق تحقيق الانتصار، ولك أن تعدد: الانقسام، والتخلف الاجتماعي، والفساد الاقتصادي، والضلال السياسي، والضياع التربوي بين مناهج الغرب والشرق، و(الكوكتيل) الثقافي الذي يميع هوية الناس الثقافية، والعبث الإداري والقيادي الذي يبدد بدل أن يحشد ويوظف (... إلخ)، نهضة شاملة تعد مقدمات ضرورية لإنقاذ القدس وفلسطين، وإن لم نفعل فإنه المزيد من الفشل والنكبات القادمة؛ فالمسألة مرهونة بالفعل والحقائق التي نصنعها في واقعنا، وليست مرهونة بالأماني وتعليق الآمال على وهم التسويات، أو تعاطف المتعاطفين مع آلامنا وجراحنا وبكائياتنا.

ملفات أخرى متعلفة