خيارات القيادة الفلسطينية في ظل فشل خيار المفاوضات

جمال حاج علي
الأحد ٠٨ ٠٥ / ٢٠١٦
مجموعة من الرسائل الإسرائيلية إلى القيادة الفلسطينية اجتمعت معًا خلال الأيام والأسابيع الماضية، تشكل كلّ واحدة منها رسالة واضحة جليّة من قبل كيان الاحتلال، أنْ لا مفاوضات ولا دولة فلسطينية ولا حلّ دولتين إلا بالمقاس الإسرائيلي، فالحدث الأول هو رفض الاحتلال التوقف عن اجتياح المناطق الفلسطينية المصنفة (أ)، ومن هنا إن مناطق السلطة الفلسطينية التي سلمت للفلسطينيين عامي 1994م و1995م، وتعد نواة الدولة الفلسطينية ‏المستقبلية فقدت ميزتها منذ اجتياحها عام 2002م، وإن استمرار اقتحامها من قبل قوات الاحتلال، والإصرار على ذلك ‏في التصريحات الإسرائيلية الرافضة لعدم دخولها، وتأكيد ذلك بالفعل اليومي على الأرض؛ تسبب الحرج الشديد للسلطة الفلسطينية أمام شعبها، وينتقص من السيادة المنقوصة على هذه المناطق.

والحدث الثاني هو رفض المبادرة الفرنسية الداعية لمؤتمر دولي للسلام، ويرمي هذا المؤتمر إلى إعادة الطرفين لطاولة المفاوضات تحت رعاية دولية، على أساس العودة لحدود عام 1967م، مع جعل شرقي القدس عاصمة للشعبين، وقد غاب عن هذه المبادرة موضوع حق العودة وطبيعة الدولة الفلسطينية وسيادتها.

والحدث الثالث وهو الأخطر عبر عشرات السنين، مشروع قرار سيقدم إلى (الكنيست) الإسرائيلي في الأسابيع القريبة القادمة، وستقدمه تحديدًا وزيرة القضاء الإسرائيلية إيليت شكيد القيادية بحزب البيت اليهودي، فوردت تقارير عن إمكانية تأييد هذا المشروع من قبل عدد كبير من أعضاء (الكنيست)، ويقضي هذا المشروع _إن أقر بالقراءات المختلفة في (الكنيست)_ بتنفيذ القانون الإسرائيلي على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، التي تضم حاليًّا نحو سبعمئة ألف مستوطن يجري العمل على إيصالهم إلى مليون خلال السنوات القليلة القادمة، ويتوزعون على نحو 60% من أراضي الضفة الغربية، ويعني تطبيق القوانين الإسرائيلية على المستوطنات مقدِّمة لضم تلك الأراضي إلى أراضي الـ(48).

من هنا إن الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية التي نصّت على حلّ الدولتين قد ذهبت أدراج الرياح، فهي تتلاشى شيئًا فشيئًا بسبب استمرار الاستيطان في الضفة الغربية التي هي أصلًا مادة (أوسلو) ومفاوضاتها، ودونها لا يمكن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران، وذلك يعطي رسالة واضحة للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية الموقِعة الاتفاقيات عن طبيعة الأمر الواقع، الذي يجب عليها أن تتعايش معه، فلا دولة فلسطينية على كامل الأراضي المحتلة عام 1967م.

لقد أصبح موقف القيادة الفلسطينية في ظل انسداد أفقها السياسي، ورفض إيقاف الاستيطان شرطًا للرجوع إلى طاولة المفاوضات، والتضييق على صلاحيات السلطة الفلسطينية إلا فيما يتعلق بالتنسيق الأمني أمرًا محرجًا، ما جعل المواطن الفلسطيني يتساءل عن الدولة الفلسطينية، وعن جدوى الاتفاقيات الموقعة بعد نحو خمسة وعشرين عامًا من المفاوضات، وأخيرًا إن إقرار مشروع وزيرة القضاء الإسرائيلية لن يبقي للدولة الفلسطينية أكثر من حدود الجدار.

لاشك أنّ الواقع على الأرض يجعل خيارات السلطة الفلسطينية محدودة جدًّا، وخاصة في ظل الواقع الدولي الرسمي، المنحاز تمامًا إلى كيان الاحتلال، أو الذي لا يجرؤ على الضغط باتجاه إعادة الحقوق الفلسطينية، أيضًا إن كيان الاحتلال يملي إرادته ولا يجد من يجبره على ذلك في ظل الواقع الإقليمي المتفجر، وانشغال الدول العربية بظروفها القاسية الواقعة فيها، وفي وقت فيه الإدارة الأمريكية في مرحلة انتقالية، وغير راغبة بالتدخل في الصراع العربي الإسرائيلي، بعد وصولها إلى طريق مسدود في فرض حل لهذا الصراع، راغبة أو عاجزة، وأخيرًا إن بعضًا يرى أنّ الخيار الذي أعلنته السلطة الفلسطينية باتباع السلمية في التعامل مع الاحتلال لا يشكل ضغطًا يجبره _على الأقل_ على الجلوس على طاولة المفاوضات.

من هنا إن الخيارات التي يمكن للسلطة والقيادة الفلسطينية اتباعها محصورة، وقد لا تتعدى الخيارات التالية:
الخيار الأول: بقاء الوضع على ما هو عليه الآن: جمود في المفاوضات السياسية، مع بقاء التنسيق الأمني، وتسيير الحياة اليومية للفلسطينيين، والاستمرار في جلب الاعترافات الدولية والدخول في مؤسساتها الرسمية، وهذا الأمر قد يسهّل عملية الاستمرار في الاستيطان وفرض الواقع على الأرض.

الخيار الثاني: الذهاب إلى مصالحة فلسطينية حقيقية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات رؤية شمولية للوضع الفلسطيني، وتغيير الإستراتيجيات المعتمِدة على التفاوض خيارًا وحيدًا، وعليه قد يتطور الأمر إلى السماح بمواجهات مع الاحتلال دون تقييدها بالأعمال الشعبية، ولا يكون هدفها العودة الروتينية إلى طاولة المفاوضات، وهذا الخيار يحتاج قبل ذلك إلى توافق فتحاوي داخلي؛ فحركة فتح هي التي تقود السلطة الفلسطينية ورئيسُها هو رئيس السلطة والمنظمة معًا، وهي التي تسيطر على الوضع الفلسطيني في الضفة الغربية.

الخيار الثالث: تنفيذ السلطة الفلسطينية تهديداتها بوقف التنسيق الأمني، والذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية، إذ إنّها تمتلك الكثير من القضايا التي يمكن لها أن تضغط على الاحتلال بها، ولكن هذا الخيار كسابقه، يحتاج من السلطة لإعداد خطة لمواجهة ردات الفعل الإسرائيلية، وخاصة فيما يتعلق باسترداد أموال الضرائب، إضافة إلى الصمود أمام الدول التي رعت مسيرة التفاوض، وخاصة الولايات المتحدة التي تضغط دائمًا باتجاه واحد.

الخيار الرابع: وهو خيار هدد به الرئيس أبو مازن حينما قال: "تسليم مفاتيح الفندق"، وهذا يعني حل السلطة الفلسطينية، وترك الشعب وجهًا لوجه مع الاحتلال، ليعيد تحمل مسؤولياته الإدارية المالية بصفته احتلالًا عن السكان الذين يقعون تحت قبضته.

لاشك أنّ الأحداث تسير بوتيرة سريعة، وعندها لا يمكن لأحد أن يتوقع الحلّ الذي يمكن أن يفرض على القضية الفلسطينية، ولكن المؤكد أنّ الشعب الفلسطيني المنتفض حاليًّا _وإن كان بصورة فردية_ قد يصل إلى مواجهة حاسمة في المنظور المتوسط أو الأبعد منه، وقد تقلب هذه المواجهة كل الخيارات وتعيد الحسابات إلى نقطة الصفر.

ملفات أخرى متعلفة