عملية القدس الاستشهادية: ارتداداتها ودلالات تبنيها

جمال حاج علي
الأحد ٢٤ ٠٤ / ٢٠١٦
في سابقة لم تحدث منذ سنوات أثار انفجار حافلة ركاب إسرائيلية في القدس المحتلة جدلًا واسعًا في الأوساط الإسرائيلية الأمنية والسياسية، وفي الأوساط الإعلامية بمختلف توجهاتها، لقد اعتقد الاحتلال أن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة التي انطلقت من مدينة القدس لأسباب عديدة، أهمها الاعتداءات المتكررة والاقتحامات للمسجد الأقصى؛ قد سيطر عليها بصورة كبيرة إذ تقلصت أعمال الطعن والدهس إلى أدنى مستوياتها.

ومن هنا إن الهدوء الذي سبق عملية القدس كان هدوءًا مثيرًا للشكوك حسب ما يرى الكثير من الخبراء والمحللين والقادة الأمنيين، والسبب في ذلك أنّ الأسباب التي انطلقت من أجلها هذه الانتفاضة لم تتلاش؛ فمازال المستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى بوتيرة تزداد شيئًا فشيئًا بعد هذا الهدوء، إضافة إلى التضييق على المصلين ومنع الناشطين منهم من الدخول إلى ساحات المسجد الأقصى، واعتقال بعض المرابطين داخله وفرض الغرامات المالية لتحريرهم.

لاشك أن هذه الانتفاضة اتسمت بالروح الفردية والعمل الأحادي، إذ شكل كل شاب أو فتاة خلية منفردة من حيث الإعداد والتخطيط والتنفيذ حتى التمويل، وعلى مدى ستة أشهر لم تتمكن الفصائل من زيادة حدة الأحداث ولا إمدادها بما تحتاج له من وقود يزيد من لهيبها سوى بعض التوجيه الإعلامي، وذلك لأسباب كثيرة، من أهمها عدم نضج الفصائل في الضفة الغربية من حيث القدرة والتنظيم للقيام بهذه الأعمال، وعدم وجود أرضية تنطلق منها العمليات بعد أن أعلنت السلطة أنها لن تقبل أن تنطلق العمليات من أراضيها، كما حدث في الانتفاضة الثانية، إذ كانت القيادة الفلسطينية راغبة بالتصعيد لإجبار الاحتلال على تنفيذ الاتفاقات الموقعة وتقديم بعض التنازلات التي لم تحصل عليها خلال مفاوضات (كامب ديفيد) الثانية.

من هنا جاءت هذه العملية مبددة لآمال الأوساط الأمنية التي اعتقدت أن لا وصول إلى حالة من هذا النوع من العمليات، حتى لو تصاعدت عمليات الطعن الفردية، ومبددة لكل من راهن أنّ عجزًا شاملًا أصاب الجسم الفلسطيني المنهك والممزق بالفعل الأمني، وأن الصورة باتت ثابتة: هجوم دبلوماسيّ فلسطينيّ بالاعترافات الدولية المتوالية بالدولة الفلسطينية، ومؤتمر دولي للسلام ينتزع الحقوق الفلسطينية من شدق الاحتلال، وأنّ السلطة ستحافظ على التنسيق الأمني عقيدة تسهم في عدم توتير الأجواء للوصول إلى عملية سياسية ما، ولذا هي من أعلن مرات عديدة إفشال العمليات الفدائية، سواء أكانت فردية أم وراءها خلايا تنظيمية.

جاءت هذه العملية لتوقع الرعب من جديد في صفوف المجتمع الصهيوني بوجه عام، فهو لم ينس مشاهد الحافلات المحترقة والمتناثرة الأشلاء، ولا أعداد القتلى في كل عملية تفجيرية، ولا تنسى الأوساط الصهيونية عامة الأثر الاقتصادي لهذه العمليات، على السياحة أو على الحالة الشرائية العامة في المدن، حيث سيقلل الإسرائيلي من تنقله خوفًا من هذه العمليات، وسيكون لهذه العمليات تأثير قوي على الهجرة المضادة، ففي الانتفاضة الثانية قدرت هذه الهجرة بهجرة أكثر من نصف مليون يحملون الهوية الزرقاء قد غادروا للبحث عن الأمان، وبعد الهدوء لا يعودون جميعًا.

أما فيما يتعلق بإعلان حركة حماس تبنيها منفذ هذه العملية أحد أبنائها دون الإشارة إلى حصوله على دعم الحركة اللوجستي، ما قد يعني أن العملية تحمل الطابع الفردي وبغض النظر عن وجود مساعدين من عدمه؛ فهي فلم تُخف يومًا أنها في مواجهة مفتوحة مع الاحتلال على الأرض الفلسطينية، فإعلام حماس وقَف من اللحظة الأولى مع الانتفاضة الثالثة داعمًا معنويًا لحظة بلحظة، والاحتلال أعلن في مرّات عديدة اكتشاف خلايا عسكرية تابعة لحماس تنوي القيام بأعمال المقاومة.

ستقف الأوساط الأمنية والسياسية كثيرًا عند هذه العملية، فصعود وتيرة الأعمال التفجيرية سيكون مدمرًا للأمن الذي نعم به الاحتلال خلال عقد من الزمان دون تقديم أي تنازلات سياسية للسلطة الفلسطينية، ولهذا سيكثف الاحتلال من عمليات البحث والمراقبة والاعتقال والمداهمة من جهة، وقد ينظر إلى غزة بالعين الثانية من جهة أخرى، فإمّا أن يخفف من القيود في الأمور الحياتية المهمة، مع تقدم في عملية التفاوض بشأن تبادل الأسرى، اعتقادًا أن ذلك يشغل حماس عن المضيّ قدمًا نحو التصعيد، أو يشن معركة جديدة ظنًّا أنّ ذلك يسهم في إجهاض الاستعدادات العسكرية عند حماس قبل نضوجها، وقبل التمكن من الوصول لتصعيد الانتفاضة بصورتها العسكرية والعمليات التفجيرية.

وقد تكون رسالة حماس بإعلان تبني منفذ العملية عبد الحميد أبو سرور أحد أبنائها قد وصلت من الناحية العملياتية والسياسية، ولكن لا أظن أنّ أذن الغطرسة الإسرائيلية قد فهمتها.

ملفات أخرى متعلفة