إقرأ المزيد <


مخيم قلنديا أسواره عالية وبواباته عصية

د. مصطفى اللداوي
أربعاء ٠٢ ٠٣ / ٢٠١٦
مخيمٌ صغيرٌ في مساحته، ومحدودٌ في قدراته، قليل السكان، وقريبٌ من مراكز الاحتلال، وعلى تخوم القدس شمالًا يتربع، وعلى أحد مداخلها يتموضع، محاصرٌ ومسور، وعلى مداخله ينصب الاحتلال حواجزه ونقاط تفتيشه، يضيق على سكانه، ويعقد الحياة على أهله، يفتشهم إذا دخلوا، ويحقق معهم إذا خرجوا، ويطلق النار عليهم إذا تجمهروا، ويداهمهم في مخيمهم إذا تظاهروا واعتصموا، أو احتشدوا وتجمعوا، ويقتحم بجنوده بيوتهم ومساكنهم، يدمر منها ما شاء، ويعتقل من أبناء المخيم من يريد، وفي اقتحاماته المتكررة يقتل ويجرح، ويفسد ويخرب، ويهدم ويدمر.

يعرف سكان مخيم قلنديا أنهم شوكةٌ في حلق الاحتلال، وأنهم بموقع مخيمهم في شمال مدينة القدس، وصمودهم فيه، ورباطه بين جنباته يقلقون العدو ويربكون حساباته، ويفشلون مخططاته ويقوضون أحلامه، فهم مع الضيق والشدة، والحرمان والحصار، والمعاملة القاسية والسياسة الأمنية والعسكرية الشديدة؛ في مخيمهم صامدون، ومتمسكون بحقهم في الحياة والعيش على أرضهم، قريبًا من القدس، حراسًا لها، ومدافعين عنها، على بواباتها كالأسود يتربصون، وعلى مداخلها يترقبون وينتظرون، وفي مسجدها الأقصى يرابطون ويصلون.

والعدو الذي يستشعر خطرهم لا يألو جهدًا في طردهم، ولا يقصر في ترحليهم، ولا يمل من محاولاته لتيئيسهم وإخضاعهم، فهو يراهم قنبلةً سكانية، ومتفجرة ديمغرافية لا يقوى على الوقوف في وجهها، ولا تحمل نتائجها وأبعادها، ولا التصدي لتزايدها وتكاثرها، فهي الأقوى حضورًا، والأبقى وجودًا، والمستقبل يحمل لأصحابها المزيد من التكريس وفرص البقاء.

هذا المخيم يقلق الاحتلال ويزعجه، ويخيفه ويرعبه، ويتمنى أن يأتي اليوم الذي لا يعود فيه موجودًا بجغرافيته على الأرض، ولا بسكانه بالقرب من القدس، فهم في مخيمهم يتزايدون ويتكاثرون، ويتعلمون ويتثقفون، ويرث أطفالهم من آبائهم حب الوطن وعقيدة التمسك به، ويتقنون جميعًا فيه فن الدفاع عنه، والاستبسال في الذود عنه، فكثر لذلك شهداؤه، وازدادت تضحياته، وتفاقمت خسائره، وتعددت أشكال معاقبته وجوانب محاسبته، ومع ذلك بقي مقدامًا يقدم الشهداء، وينافس في الأسرى، ويباري في المواجهة والتحدي، مبينًا أن صغر المساحة لا يحول دون عظم المواجهة، وقلة عدد السكان لا يخفف من ملحمة المعركة وقوة المواجهة، بل هي الإرادة الصادقة، والإيمان الراسخ، والعقيدة التي لا تتزعزع، والحق في الوطن الذي لا يتزحزح.

الاحتلال الإسرائيلي يريد أن يجتاح المخيمات الفلسطينية ولا يلقى مقاومة، ويريد أن يعيث فيها فسادًا وخرابًا ولا يجد من المواطنين اعتراضًا، ولا يرضى منهم ثورةً أو انتفاضة، بل يريد أن يقتل ويجرح ويعتقل ويدمر البيوت، ويسحق السيارات، ويحرق المحلات، دون أن يكون من السكان ردة فعلٍ غاضبةٍ، أو محاولة منهم للدفاع عن أنفسهم، ورد العدوان الغاشم عنهم.

هكذا أرادوا في مخيم قلنديا، إذ تسلل إليه جنديان وفي نيتهما ارتكاب جريمة، أو تنفيذ مهمة أمنيةٍ قذرة، ولكنهما وجدا أن سكان المخيم لهما بالمرصاد، إذ تصدوا لهما وحرقوا عربتهما، فهربا واختفيا، وحاولا الفرار أو الاختباء، وقد علما يقينًا أنهما لن يخرجا من بين لابتي هذا المخيم الأبي سالمين، ما لم تهب لنجدتهما قواتُ الاحتلال، التي جاءت بسرعةٍ وعلى عجل، كثيرة العدد، مدججة بالسلاح، ومعززةً بالطيران المروحي والآلات السريعة، واقتحمت المخيم وكأنها في معركة، وأطلقت النار بكثافةٍ على السكان، فأصابت العديد بجراح وقتلت شابًّا جلدًا من بينهم، وهو الشهيد إياد سجدية، الطالب بكلية الإعلام في جامعة القدس.

لكنهم وقد ظنوا أن المخيم أرضه رخوة، وطريقه سهلة، والدخول إليه ميسرًا؛ قد منوا بعددٍ من جنودهم جرحى، وصفت جراح بعضهم بأنها خطرة، قبل أن يلوذوا بالفرار بجيشهم الذي ناهز عدده ألف جندي، بعد أن أعلنوا وصول أحد الجنود إلى ثكنته، واستنقاذ الآخر الذي كان مختبئًا في مقبرة المخيم، وقد نقلا كلاهما إلى المستشفى لتلقي العلاج جراء الصدمة والرعب اللذين أصيبا بهما في أثناء وجودهما بالمخيم.

معركة اقتحام المخيم لم تكن سهلة ولا ميسرة؛ فقد استمرت زهاء أربع ساعاتٍ، وامتدت حتى منتصف الليل، وشارك فيها إلى جانب مئات الجنود وحداتٌ خاصة راجلة ومحمولة، وطوافاتٌ عسكرية حلقت على ارتفاعاتٍ منخفضة، واستخدمت كشافاتها الباهرة القوية، وأطلقت في سماء المخيم قنابل مضيئة، في الوقت الذي قطعت فيه الكهرباء عن كل المخيم، الذي دخلته العربات العسكرية بصورةٍ وحشية، إذ تعمدت أن تدوس السيارات، وأن تقوض العرائش، وتحطم البسطات، وتخرب كل ما يعترض طريقها، وأغلقت بوابات المخيم كافة، وتمركزت على مداخله جرافاتٌ كبيرة، وكانت على أهبة الدخول إليه، وقد أشرف على العملية العسكرية كبار ضباط قيادة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي.

لم يكن هذا الاقتحام العسكري الإسرائيلي الأول لمخيم قلنديا خلال الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، بل سبقه اقتحامان، استشهد خلالهما عددٌ من شبان المخيم، وعرف بعضهم بشهداء الفجر، وشهداء الشمس الثلاثة، وأصيب واعتقل عشراتٌ آخرون، وحدثت خلال هذه المداهمات اشتباكاتٌ دامية بين جنود الاحتلال والمقاومين الفلسطينيين، الذين استخدموا خلال تصديهم لقوات الاحتلال الأسلحة النارية، وشاركت فيها عناصر مسلحة من الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، إضافة إلى بعض منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

مخيم قلنديا كما كل المخيمات الفلسطينية يغلي كالمرجل، ويثور كما البركان، غضبًا عارمًا، وعصيانًا شاملًا، ويرفض أن يهان هو وشعبه، وأن يذل هو وأهله، وأن يستباح هو وبيوته، وهو لا يقبل أن يقيم على الضيم ولا يرضى بالهوان، ولا يسكت عن العدوان، وهو الساكن إلى جنب القدس وفي جوارها، يسمع آهاتها، ويستجيب إلى نداءاتها، ويلبي دعواتها، ويهب لنجدتها، ويرابط أبناؤه في مسجدها، فهو مخيمٌ يسكنه الثوار، ويعيش فيه الأبطال، ويحمل همومه الرجال والنساء، يقول للعدو الإسرائيلي: "إن زمن الانتصار علينا قد ولى، وإن استباحتك لدمائنا قد أصبحت عليك عصية ولك مكلفة".

ملفات أخرى متعلفة