إقرأ المزيد <


ارفع الرأس فأنت معلم

جمال حاج علي
أحد ٢٨ ٠٢ / ٢٠١٦
عندما قال شوقي: "قم للمعلم وفّه التبجيلا"، قصيدته التي يحفظها كل من دخل مدرسة وتعلم فيها؛ كان آنذاك للعلم ورسوله قيمة لم تعهدها أجيال (الكيت كات) و(الشيبس) وأفلام (الكارتون)، ولا الذين مكثوا أو تركوا مقاعد الدراسة، كان للعلم ورسوله هيبة وجلال لم يستطع آنذاك أن ينزعهما عنه صاحب أمر ولا ذو قوة.

لقد تراجعت قيمة المعلم بالتدريج خلال العقود الأخيرة لأسباب عديدة تضافرت لتنتج شكلًا جديدًا للمعلم لم تعهده الأجيال السابقة، فبعضٌ يعزو ذلك إلى تراجع الأنظمة والقوانين والتشريعات التي لم تعد تصبّ في تعزيز دور المعلم، إضافة إلى التغير التدريجي الذي نشأ في ثقافة المجتمع بسبب التطور العلمي والتكنولوجي في وسائل الاتصال التي تركت أثرًا سلبيًّا على دور المعلم وهيبته؛ فلم يعد هو الجهة الوحيدة للحصول على المعلومات.

السبب الاقتصادي من أهمّ الأسباب التي طرأت على تغيير صورة المعلم، فلم تعد مهنة التعليم من المهن المتقدمة في ترتيب السلم الاقتصادي، فراتب المعلم تراجع خلال العقود الماضية إلى مؤخرة سلّم رواتب المهن في المجتمع العربي بوجه عام والفلسطيني بوجه خاص، وأصبحت مهن الطبيب والمهندس والمحامي والمحاسب وغيرها من المهن الكثيرة تَفْضُل مهنة المعلم، وبات راتب المعلم الحدّ الأدنى من الرواتب، وعلاوةُ مهنة التعليم هي الأقل من بين المهن المذكورة، انعكس ذلك على المستوى الاجتماعي للمعلم، فهو يعاني عند اختياره لشريكة حياته، ويعاني من مستوى ارتفاع السلع وأجور البيوت، وبعد ذلك هو يعاني عندما يقرر ابتعاث أبنائه إلى الجامعات فيضطر إلى اللجوء إلى القروض ليتغلب على هذه المحطة، وبعد تقاعده إذ تجاوز الستين من عمره لا يجد من الراتب التقاعدي "المخسوف" ما يسد رمقه وعائلته ليموت بعد ذلك بالضغط والسكري والقهر.

إنّ الدور الذي اضطلع به المعلم الفلسطيني ميزه من باقي معلمي العالم؛ فهو معلم العلم والأدب والتربية، وهو كذلك صانع الرجال، معلم الثورة والمقاومة، يقف في الصف الأول أسيرًا وجريحًا وشهيدًا، بعد أن ساهم في بناء مؤسسات المجتمع من أندية وجمعيات خيرية وعلمية، فلا ينسى أحدٌ وقوف المعلم الفلسطيني في وجه الاحتلال عندما أغلق المدارس في الانتفاضة الأولى؛ فرد عليه المعلمون بفكرة التعليم الشعبي، إذ فتحوا بيوتهم ومساجدهم ومؤسساتهم لينضوا في خلايا كالنحل يعلّمون الجيل اللغةَ والرياضيات وتاريخ بلادهم المحتلة؛ ليسجلوا بذلك نقطةً مضيئةً في تاريخ الثورة الفلسطينية ومسيرة التحرير.

إنّ ما يقوم به المعلم اليوم من احتجاج على الحالة التي وصل إليها مربو الأجيال ما هو إلا أيقونة يعزفونها بكل سلمية وحضارية، لا من أجل دريهمات تَرفع راتبهم المسحوق، ولا من أجل علاوة تدغدغ عواطفهم، هم يبحثون عن كرامة المعلم التي تناثرت بين العيش وشظفه وبين الجور وناره وبين الجهل وظلماته؛ فغدا المعلم يجرّ أحمالًا وأثقالًا ليست من مسؤوليته وحده.

من هنا إن الضوء الأحمر الذي أشعله المعلمون في الأيام القليلة الماضية يشير بكل وضوح إلى أولي الأمر وأصحاب القرار، وإلى المؤسسات المجتمعية وأهل الحكمة والرأي، أنْ إذا لم تَعد لمهنة التعليم رمزيتُها وقيمتها التي هي من رمزية المعلم وقوته وقيمته؛ فلا شكّ في أنّ التعليم الرسمي الحكومي سيبقى يعاني من تدهور يعيق أي تقدم يجعل الفلسطيني يوازي نظراءه في المجالات المختلفة، وأنّ المعلم الذي سيقضي ليلَه يحلم في سداد فواتيره، ونهارَه لكفاف قوت عياله؛ لا يمكن أن يُطلب منه أن يكون حارس العلم الوحيد ورافع ساريته.

إنّ ما أبرقه المجتمع في الأيام القليلة الماضية من تضامن كامل مع المعلم ودعم لقضيته، بالتصريحات المختلفة عبر وسائل الإعلام والاتصال المرئي والمسموع، من إعلاميين وسياسيين ورجال أعمال، أو تصريحات العامّة في بقالاتهم ومشاغلهم وأسواقهم، بالتعبير اللفظي الداعم للمعلم والداعي لإنصافه، بعد أن اطلع كلٌّ على الوضع المعيشي والاجتماعي الصادم للمعلم؛ لهو جزء مهم من مسيرة الدعم النفسي لمعلم الأجيال وسابقة لم يعهدها المعلمون خلال سنوات طويلة، وهي رسالة لصاحب القرار أنّ إنصاف المعلم وكفايتَه مؤونته وكرامتَه تنعكس بكل إيجابية على شعب ووطن محتلين، ورسالة للمعلم نفسه، أن كفاك خجلًا؛ فأنت أنتَ من أنت، اصدح بها وارفع الرأس؛ فأنت معلم.

ملفات أخرى متعلفة