إقرأ المزيد <


من أسرار الرؤى والمنامات

د. محمد المبيض
أربعاء ٢٤ ٠٢ / ٢٠١٦
في هذه المقالة لن أسرح بعيداً ، بل سأقتصر على أهم رؤيا في القرآن الكريم ، وهي الرؤية التي تدور عليها كل قصة يوسف عليه السلام .

فيوسف عليه السلام وهو صبي رأى رؤية عجيبة بلغ بها والده النبي ، يقول الله سبحانه وتعالى : {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ }يوسف4

هذه هي الرؤية ، أما كيف رأى يوسف الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين ، هذا أمر لا نعلمه ، لكن نتعلم من هذه الرؤية عدة أمور اقتصر فيها على ثلاثة:

الأمر الأول :


كل رؤية لا بد أن تحمل رمزية فك شفرتها في داخلها ، وهذه الرمزية كانت واضحة في رقم الأحد عشر ... الذي يتطابق تماماً مع عدد إخوة يوسف عليه السلام ... فهذا الرقم هو الذي أبرز دلالة رمزيات كل الرؤية وأنها يقصد بها عائلة يوسف عليه السلام ... وهذا الأمر كنت ألحظه في كثير من الرؤى ؛ حيث تسير الرؤية بشكل غامض جداً ، ثم تذكر شيئاً أو رمزية تحمل المراد الحقيقي من الرؤية كالإشارة إلى يوم أو حدث معين ، أو كائن معين يرتبط بالرؤية بشكل غريب غير مفهوم ... هذا الشيء الغريب يكون هو ما يحمل فك شفرة الرؤيا ويبرز دلالتها الحقيقية .

الأمر الثاني :


هذه الرؤية التي رآها نبي وأبلغها لنبي بالرغم من وضوحها إلا أن تأويلها الحقيقي لم يكن واضحاً لكل من يوسف ويعقوب عليهما السلام ، فغاية ما في الرؤية أن يوسف عليه السلام سينال نوعا من التمكين يكون به سيداً على عائلته بضمنهم الوالد والوالدة ... لكن كيف أو ما هو المراد ، وما هو حجم هذا التمكين ... فهذا لم يتضح لهم إلا عندما حصل الحدث الذي يحمل دلالة الرؤيا ... ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ) يوسف 100

فهذا هو تأويل الرؤيا بالضبط ، لكنه لم يتضح إلا عندما حصل الحدث نفسه بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الرؤية ، وهذا الموقف يشعر بأن الرؤية كانت حاضرة في ذهن يوسف عليه السلام ، وكان يعيش بأملها ؛ لذا بمجرد ما حصل تأويلها أخرجها يوسف عليه السلام من الذاكرة ليضعها موضعها الحقيقي .

وهذا يبرز لنا أن بعض الرؤى تكون مبشرة ، لكن لا يمكن فهم تأويلها الحقيقي إلا عند وقوع الحدث نفسه ، هذا الحدث الذي يكشف مدلول الرؤية ويخرجها من ذاكرة الروح نحو الواقع الذي ترشد إليه ... وهناك كثير من الرؤى المعاصرة تحمل مثل هذه الدلالات ويتعسف البعض بتأويلها وحملها على غير محملها ... فغاية ما في رؤية يوسف عليه السلام أنه سيكون له نوع تمكين .... لكن متى وكيف وبأي درجة ؟ الرؤية لم توضح وترك الأمر للأيام تبرز ذلك ...

الأمر الثالث : الشمس والقمر .


كلا الجرمين السماويين له رمزيات ودلالات كثيرة ، وفي كل موطن لهما دلالة ، لكنهما هنا في هذه الرؤيا بالذات كانا يرمزان للأم والأب ، وقد اختلف العلماء فيمن يراد به الشمس ومن يراد به القمر ... البعض نظر لكلمة الشمس المؤنثة فاعتبرها إشارة للأم .. ويعزز ذلك عندي وجود الأحد عشر كوكباً ،، فالموضوع يتعلق بأسرة وفضيلة الأم في الأسرة وفي حق الأولاد هي أعظم من فضيلة الأب ... لذا النبي عليه السلام وصى عليها ثلاث مرات ثم بعدها وصى على الأب مرة واحدة ... وبالرغم من هذه الدلالة إلا أنني أرى أن الشمس يراد بها الرجل أو الأب أما القمر فيراد به المرأة أو الأم .. لتوافق ذلك مع الفطرة ، فالمرأة بفطرتها هي تعيش في كنف الرجل وقوامته ، والرجل هو عنوان الأسرة وحاميها ، بل المرأة تستمد عزتها وقوتها وسلطانها بحسب قوة وسلطان زوجها ، فهي تستمد نورها من الرجل ، وكذلك القمر يستمد نوره من الشمس ، والقمر ألصق بالكواكب من الشمس لذا تظهر الكواكب حال ظهوره ، بل عهدنا أن نتغزل بتشبيه المرأة بالقمر فهو عنوان الأنس والجمال أكثر من الشمس التي تمثل القوة والمنافع العظمى ، وهكذا الرجل ينفع كثيراً ، لكنه ليس موطنا للتغزل قياساً بالمرأة .

كذلك مسألة الشمس والقمر للإشارة للرجل والمرأة ، هو رد على كل تلك الدعاوى الحديثة التي تطالب بالمساواة بين المرأة والرجل من كل الوجوه ، لأن المساواة بين المختلفين هي عين الظلم ، فالاختلاف بين الرجل والمرأة في بعض الواجبات والحقوق إنما هو اختلاف وظيفي يتفق مع الفطرة والمساواة بينهما من كل الوجوه إنما هو بمثابة المطالبة بقمرين أو بشمسين ولا تستقيم حياة البشرية بقمرين ، أو بشمسين كما لا تستقيم حياة الأسرة من خلال إلغاء وظيفة الأم ومساواتها بالرجل من كل الوجوه .

ملفات أخرى متعلفة