إقرأ المزيد <


المصالحة الفلسطينية والإجابات الغائبة

جمال حاج علي
إثنين ٢٢ ٠٢ / ٢٠١٦
لاشك في أنّ كلمة "مصالحة" أصبحت تصيب المستمع الفلسطيني والعربي بحساسية زائدة وحالة من الغضب والتوتر، وليس ذلك كرهًا في أن تتحد القلوب وتبرأ الجراح، فكل فلسطيني يتمنى أن تتعافى الحالة الفلسطينية من الشقاق والنزاع والمناكفة، وخاصة في هذا الوقت التي تعمل فيه آلة القتل والقمع الاحتلالية في الجسد الفلسطيني، وتعمل على تمزيقه ونثر رماده في محيطات الأرض وأبراج السماء.

إنّ ما وصلت إليه القضية الفلسطينية من ضعف وتشرذم وضياع لم يسبق أن وصلت إليه خلال نصف قرن من الزمان على الأقل، فالأفق السياسي الذي بذلت من أجله الأطراف الدولية مع منظمة التحرير جهودًا كبيرة لإيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية بات بابًا موصدًا، سقفه (كنتونات) ممزقة يسميها الفلسطيني ما يشاء، دولة أو إمبراطورية، وهي ليست سوى قرى ومدن متناثرة يقطّع أوصالها الاستيطان والشوارع الالتفافية، فهي _سواء شئنا أم أبينا_ أرض محتلة مسلوبة، وعملية التسوية غير المُجمع عليها فلسطينيًّا أصبحت ميتًا ينتظر الدفن، بعد أن أجمع كل من له علاقة بها على أنها فشلت فشلًا ذريعًا، وذهبت أحلام سنغافورة أدراج الرياح، والأخطر من كل هذا وذاك هو الحالة الفلسطينية الفريدة، فهي شعب منقسم يعيش على أرض مقسّمة محاصر بحرها وجوها وبرّها.

إنّ الشعب الفلسطيني شعب أعزل لا يمتلك ما تمتلكه الجيوش من طائرات ودبابات وبوارج، فصبره وثباته على أرضه يعتمدان على إرادة الصمود المنغرسة فيه، وعلى وحدته التي غابت عنه منذ أكثر من عشرين عامًا، واستحالت تمزقًا عقب الانتخابات الفلسطينية عام 2006م، نتج عنه تقهقر القضية الفلسطينية قضية وطنية مبنية على الكفاح والتضحية لإرجاع ما احتل من أرض ومقدسات، وأصبح الشعب الفلسطيني كمن يركب السفينة التي خرقها من أسفلها عادًا خرقه من نصيبه ولا ضرر على غيره.

من هنا قد آن لهذه المرحلة أن تحتضن توافقًا والتئامًا للجراح، لا عودة عنهما ليكون الشعب الفلسطيني سدًّا منيعًا أمام ما يُدبر له من تصفية لقضيته المقدسة.

لقد كثرت محاولات لم الشمل وتعددت توقيعات المصالحة، من مكة إلى القاهرة ومن الشاطئ إلى الدوحة، وفي كل مرّة ما إن تبدأ الأطراف بمحاولة التنفيذ حتى تعود خطوات إلى الوراء، وتتعثر المصالحة من جديد، فيبدأ المحللون والسياسيون _ووسائل الإعلام قبلهم_ بالحديث والتأليب على هذا وذاك، محملين أحد الطرفين أو كليهما مسؤولية تعطيل الاتفاق.

وإذا أردتُ أن أخوض في هذه الدوامة وأسلط الضوء على شيء من هذا الملف؛ فلن أضيف جديدًا بقدر ما أود أن أُذكّر بأمرين أساسيين، هما في رأيي من أهم عوامل استمرار الانقسام، وماداما حاضرين لن تكون هناك مصالحة حقيقية، وإن حصلت تفاهمات قد تسمّى اتفاقًا.

الأول: أنّ لكل فريق برنامجًا سياسيًّا يختلف عما لدى الآخر، فقد اعتمدت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة حركة فتح أسلوب المفاوضات إستراتيجية للوصول إلى الأهداف الوطنية، وخاضت مفاوضات على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، لم يصل فيها الشعب الفلسطيني إلى إقامة دولته على الأراضي المحتلة عام 1967م، علاوة على ذلك لم يأل الاحتلال جهدًا في زرع المستوطنات والمعسكرات والشوارع الالتفافية، مغيرًا بذلك صورة الأرض التي بدأ التفاوض من أجلها، وعزل مدينة القدس بعد أن صبغها بلون التهويد بإجراءات احتلالية متسارعة لتثبيت الوقائع على الأرض، لتكون القدس خارج برنامج أي مفاوضات مستقبلية.

أمّا البرنامج الثاني فهو برنامج حركة حماس ومن معها من الفصائل التي ترى أن المقاومة ومصارعة الاحتلال بكل وسيلة تصل إليها الأيدي هي أقصر طريق للوصول إلى تحرير فلسطين.

تكمن المشكلة في أنّ البرنامجين إلى هذه اللحظة لا يلتقيان كما الخطين المستقيمين المتوازيين، وإن اشتراط حركة فتح أن تلتزم حماس ببرنامج منظمة التحرير لتحدث المصالحة هذه أقرب طريق لتفجير المصالحة، فاختلاف البرنامجين من أهم أسباب الانقسام، وما بعده أسهل لتسويته، وهذا الشرط هو مطلب الرباعية الدولية ومطلب الاحتلال، ولا أعتقد أنّه سيكون سهل المنال، وإنّ المبادئ الأساسية التي انطلقت منها حركة حماس ترى أنّ الاتفاقيات التي توصلت إليها منظمة التحرير عن طريق أوسلو تمس عقيدة الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية، وعلى ذلك اتبعها الآلاف من الجماهير الفلسطينية في الداخل والخارج، وإنّ الحركة إن تساوقت معها فستصطدم بهذه القاعدة الكبيرة من الجماهير، التي انضوت تحت رايتها وميزت بين البرنامجين من المنطلق العقدي، ولا تريدها وجهًا آخر للعملة نفسها.

الثاني: هو عدم القبول بالشراكة السياسية مبدأ، ولا يعني قبول ذلك المحاصصة بقدر ما يعني إيجاد صيغ مقبولة عن طريق الانتخابات أسلوبًا حضاريًّا للتمثيل، والقبول بنتائجها، ومن دون وضع شروط تسبق هذه الانتخابات، الشراكة تعني قبول الآخر وعدم التفرد باتخاذ القرار، وأن أرى بعينين اثنتين لا عين واحدة، وألا أعد نفسي الوصي الوحيد على القضية، وإنه يجب استبعاد الضغوطات التي تمنع هذه الشراكة، وجزء من هذه الضغوطات مبني على التغيرات في الإقليم التي إلى الآن هي كرة متدحرجة لا يمكن الرهان على نتائجها، وهذه الضغوطات ليست من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني.

إنّ التوصل إلى مصالحة حقيقية يحتاج إلى إجابات غائبة كثيرة، ومنها الإجابة عن هذين السؤالين:

هل تقترب حركة حماس من برنامج منظمة التحرير، وهي الآن ليست جزءًا منها، وتقبل بخيارها السياسي المبني على الاعترافات المتبادلة والقرارات الدولية وخاصة (242)؟

وهل تتنازل حركة فتح وتقبل أن تكون حركة حماس شريكة متساوية في اتخاذ القرار السياسي، وإدارة الوضع الداخلي الفلسطيني في مؤسسات المنظمة والسلطة؟

إجابات هذه الأسئلة وكثير غيرها ينتظرها المواطن الفلسطيني على أحرّ من الجمر.

ملفات أخرى متعلفة