الأسير محمد القيق وأم المعارك

جمال حاج علي
الاثنين ٠٨ ٠٢ / ٢٠١٦
يخوض الاحتلال في كل مرة معركة، يستنفر فيها أجهزته الأمنية وخبراءه من مصلحة السجون، يشترك في هذه المعركة أطباء في مستشفى الرملة العسكري أو مستشفى (سوروكا) أو العفولة، يشحن فيها إعلامه وماله ومحاكمه العسكرية، وخبراءه القانونيين، ويلجأ إلى استصدار قرارات من محكمة العدل العليا، كلّ ذلك في معركة من هذا الجيش المحشود أمام عدوّ لدود يتكون من أسير واحد، قرر أن يواجه احتجازه واعتقاله دون تهمة المسمّى "الاعتقال الإداري" بسلاحه النافذ الخارق الماحق (سلاح الأمعاء الخاوية)، وهو السلاح الوحيد المتوافر لدى أفراد الحركة الأسيرة لتحقيق مطالبهم الإنسانية والقانونية.

نعم، هذا ما اختاره الأسير محمد القيق الصحفي العامل في فضائية المجد، لقد خاض إضرابه عندما علم علم اليقين أنه لم يقترف جرمًا ولم يقترف مخالفة قانونية تجعل نيابة الاحتلال العسكرية تقدم لائحة اتهام بموجبها يقدم للمحاكمة.

إنّ القرار الذي يتخذه أي أسير بإعلان الإضراب عن الطعام كما فعل الأسير محمد القيق يتخذه وهو يعلم تمامًا أنّه سيواجه "دولة" بكل أدواتها لاستنزافه وثنيه عن تحقيق مراده، ولكنه يعلم أيضًا أنّ روحه التي بين جنباته _وهي عدته وعتاده_ قد تزهق في سبيل نيله حريته، إنّ من يجعل روحه عُدة معركته يعلم أكثر من غيره أنّه يملك السلاح الأقوى في المعركة، ومن هنا خاض كيان الاحتلال عشرات المعارك مع أبناء الحركة الأسيرة، وفي كل مرّة يواجه جيشًا من شخص واحد ما إن يفوز بقضيته ويغلق ملفها حتى ينهض أسير آخر يجدد المعركة بسلاح الجوع، ويعيد الاحتلال تحريك واستعمال الأدوات نفسها التي أنهكها الأسير السابق بإضرابه الذي انتصر به وحقق أهدافه التي أضرب من أجلها.

لم يسبق لمعركة الأمعاء الخاوية المكونة من أسير واحد أن فشلت، فقد انتصر فيها كلّ من خاضها من خضر عدنان حتى محمد علّان، لكن الكيان العبري يقع في الأخطاء نفسها ويعيد السيناريوهات نفسها، ثم يبدأ بالنزول عن سلّم تعنته.

إنّ الظروف التي تواكب إضراب الأسير محمد القيق تختلف تمامًا عمّا سبقها، فالشعب الفلسطيني يخوض غمار انتفاضة ثالثة، تعتمد بالدرجة الأولى على العمل الفردي، وبعض العمليات التي خاضها من قام بالدعس أو الطعن كانت ردة فعل على ممارسة واحدة من ممارسات الاحتلال في القدس والمسجد الأقصى، أو عملية قتل لفتاة عند حاجز أو غير ذلك، ومن هنا قد عايش الشعب الفلسطيني مدة إضراب محمد القيق أكثر من 73 يومًا، وكانت هذه القضية محَشِّدة للشارع الفلسطيني وموحدة لكل المشارب الفلسطينية، فالذين يخوضون فعاليات التضامن مع الأسير الصحفي محمد القيق يمثلون كل الفصائل الفلسطينية، وأصبح اسم الأسر القيق على كل لسان وعلى صفحات مئات المواقع الإلكترونية وعلى أجندة عشرات اللجان الحقوقية، فقد حقق القيق انتصارًا مميزًا حتى هذه اللحظة، ولكن _لا قدّر الله_ إن حصل أن أصابه مكروه وأسلم روحه لبارئها؛ فعندها لا يعلم أحد كيف من الممكن أن تتطور الانتفاضة، فقد يكون هو الوقود لانفجار لا تتمناه أطراف عدّة، فكل المراقبين يعتقدون أنّ انفجارًا ما قد يحدث نتيجة عملية كبيرة لأحد الطرفين، وقد يكون استشهاد الأسير محمد القيق الذي يخوض معركة تمثل له أم المعارك مشعلًا لهذا الانفجار، ومدعاة للفصائل الفلسطينية التي مازالت غير منخرطة بالمنظومة الثورية لهذه الانتفاضة لتخوض غمارها.

ملفات أخرى متعلفة