إقرأ المزيد <


محمد القيق يعيد الفرصة من جديد

وليد الهودلي
ثلاثاء ٠٢ ٠٢ / ٢٠١٦
الاعتقال الإداري كما هو معروف السلاح المسلط على رقاب النشطاء الفلسطينيين، إذ كلما فكر فلسطيني بأي نشاط سياسي أو ثقافي أو إعلامي أو اجتماعي لاح له وحش مخيف يدعى الاعتقال الإداري، والهدف منه معروف، هو ردع هذه النخب ودفعهم إلى الانتحار، بمعنى القضاء على دورهم في مجتمعهم بمحض إرادتهم، وبذلك حرمان المجتمع الفلسطيني طاقاته الإبداعية، خاصة في الميادين الهامة.

وهذا الاعتقال كما هو معروف اعتقال تعسفي دون تهمة معروفة، وبملف سري يجمع معلوماته رجال المخابرات الإسرائيلية المسكونون بالهوس الأمني، ولما كان فيما يجمعون من معلومات ثغرات كثيرة وبالإمكان دحضها بسهولة؛ فإنهم يخفونها ويضعونها تحت عنوان ملف سري. ويدخلون الأسير وأهله في أتون معركة نفسية مريرة قد تستمر لتصل إلى سنتين أو ثلاثة أو أكثر، كما جرى مع حالات كثيرة، ويجدد الاعتقال كل ست أشهر أو ثلاثة أو أربعة لتسير لعبة القهر والحرب النفسية، وليستمر العذاب من جهة المعتقل وأهله، والتلذذ بالتعذيب بسادية مطلقة من جهة سلطات الاحتلال، وهي قادرة على تحديد مدة الاعتقال من أول يوم من أيامه.

وتصر سلطات الاحتلال على هذا الاعتقال الهمجي من نشأة الاحتلال إلى يومنا هذا، وتتسع دائرة الاعتقال وتكتظ السجون بالأسرى الإداريين حينًا ويقل عددهم في أحيان أخرى في حالة من المد والجزر، وكلما ارتفع الحراك المناهض لهذا الاعتقال تراجع المحتل قليلًا فيتناقص العدد، وكلما غفلنا وخبت نيراننا أوغل بنا الاحتلال وزاد عدد الأسرى.

وخاض الأسرى الإداريون تعبيرًا عن قهرهم وغضبهم الإضرابات المفتوحة عن الطعام، منها الجماعي ومنها الفردي، فيثور الموضوع ويتحرك الشارع الفلسطيني، وترتفع وتيرة الأنشطة المناهضة له على الصعيد المحلي والدولي، وفي كل مرة تلوح فرصة، خاصة عندما يقف المضرب عن الطعام في المنطقة الفاصلة بين الحياة والشهادة.

وتأتي الإضرابات الفردية في سياقات حساسة جدًّا، فعندما يستشعر الأسير حالة القهر والظلم غير المحتمل التي يواجهها، وحينما يقف عاجزًا عن تشكيل حالة إجماع أو اتفاق على إضراب جماعي؛ حينئذ يتخذ قراره بخوض الإضراب بمفرده، وهو بذلك يتخذ القرار الأصعب إذ هناك فرق شاسع بين أن يكون وحده أو مع جماعة في معركة قاسية بهذا الحجم، يفتتح المعركة ويدخل جبهة المواجهة وحده لا يملك إلا إيمانًا في صدره ورؤية تولد طاقة لإرادته.

ويتحرك الشارع الفلسطيني من جديد ليولد طاقة خجولة على الساحة الدولية، وهذا على عكس أعدائنا؛ فقضية أسير واحد منهم يجعلونها قضية عالمية تطرح في كل المحافل الدولية، ويطرحها زعماؤهم في كل المناسبات وعلى كل الزعامات التي لها علاقة وتملك ضغطًا على كل من يتوقع أنهم يملكون أدنى تأثير على كل من له علاقة بمن يأسرون أسيرهم، وحالة شاليط مثال واضح.

عندما بدأت عطاف عليان سنة 1997م إضرابها المفتوح عن الطعام لوقف قرار اعتقالها الإداري بدا ذلك جنونًا حتى للأسرى أنفسهم، ولما نجحت في انتزاع قرار الافراج عنها بعد إضراب دام أربعين يومًا؛ أثبتت أن الحق ينتصر على السيف، وأن الكف التي يقف خلفها إيمان وإرادة تنتصر على المخرز الذي تحمله يد حاقدة وغارقة في الظلم والطغيان.

ويأتي خضر عدنان ليخوض من جديد إضرابًا نعت بأنه فردي، لكنه كان كجيش في فرد فصنع انتصارًا بعد إضراب دام ستة وستين يومًا.

وبالمناسبة نحن نتحدث عن أرقام مذهلة في عالم الإضرابات، والذي جرب يعرف معنى هذا الكم من الأيام، وتتكرر التجربة مع سامر العيساوي وهناء شلبي ومحمد علان، والآن مع محمد القيق الذي حتى الآن وصل إلى الرقم المذهل سعبين يومًا.

وتأتي هذه الإضرابات فرصة لإثارة هذه الجريمة المفتوحة والصامتة كما يجب، الجريمة تمارس بهدوء وصمت، ودون هذه الإضرابات لا أحد يحرك ساكنًا، حتى المعتقلون إداريًّا يوضع أحدهم تحت سكين هذا العذاب طيلة مدة اعتقاله ليدخل السجن ويخرج دون أن يعرف لماذا سجن.

الآن محمد القيق قدم لنا فرصة، خاصة أنه تجتمع عدة جرائم في جريمة واحدة: الاعتقال الإداري، واعتقال صحفي إعلامي، وشرعنة قتله بقرار المحكمة التي تسمى عندهم عليا عندما تصدق على تجديد اعتقاله الإداري مع خطورة الوضع الصحي الذي وصل إليه.

إنها بالفعل فرصة لوضع الاحتلال في الزاوية، وإغلاق ملف الاعتقال الإداري إلى الأبد، ومحاكمته على السجن تحت هذا المسمى دون تهم بينة وواضحة، والمطلوب ألا ننام بين إضراب وإضراب، بل نسعى كما يجب أن نسعى ودون أي انقطاع، خاصة على الساحة الدولية ومؤسساتها القانونية، والخرق القانوني هو خرق، سواء أكان ذلك مع شخص واحد أم مع آلاف مؤلفة.

ملفات أخرى متعلفة