أمهات قاتلات والسبب اكتئاب ما بعد الولادة

د.عوني عطا الله
الخميس ١٠ ١٢ / ٢٠١٥
إن الاضطرابات المزاجية التي تعقب الولادة شائعة بدرجة أكبر مما نتوقع، إلى حد أن 80% من الأمهات الجديدات اللاتي يلدن أول مرة يصبن بدرجة خفيفة من الاكتئاب خلال سنة من الولادة، وإذا استمرت هذه الحالة عند هؤلاء الأمهات فإن الاكتئاب يزداد سوءًا ويصل إلى درجات خطيرة تصل إلى حد الإصابة بالذهان، وفي حالات نادرة وتراجيدية قد يقتلن فلذات أكبادهن.

ومن ذلك أن إحدى السيدات كانت تتمتع بصحة جيدة خلال الأسابيع الستة الأولى بعد الولادة، وكانت سعيدة بالمولود الجميل، وكان زوجها يساعدها في أثناء تلك المدة، ومع ذلك كانت تشعر ببعض التغيرات الغريبة، فكانت تعاني من التوتر وتجد صعوبة في النوم، وبعد مرور أربعين يومًا أصبحت هذه الأعراض سريعة ومتلاحقة، فكان يدهمها إحساس بأن خطرًا مبهمًا ومجهولًا سوف يصيب وليدها، ووصل الأمر إلى حد أن هذا الإحساس لم يكن يغادر تفكيرها، ولذلك كانت تبالغ في حماية وليدها، ولم تدع أي أحد يقترب منه أو يلمسه حتى زوجها، وبعد مرور شهر وثلاث ليال من عدم النوم تملكها الخوف والقلق إلى درجة أن اضطر زوجها إلى إدخالها المستشفى لتلقي العلاج النفسي من حالة ذهان ما بعد الولادة، وأبعد عنها وليدها بالقوة.

أعراض مرضية

لقد اكتشف الأطباء أن نحو 50-80% من السيدات يصبن بدرجة ما من الاضطراب المزاجي بعد الولادة، ولكن لحسن الحظ إن نسبة بسيطة منهن تقدر بواحدة من كل ألف من الأمهات الجديدات تصاب بذهان ما بعد الولادة.

ومن الأبحاث والدراسات التي رصدت هذه الظاهرة المرضية خرج الأطباء بتفسير لأسباب اضطرابات المزاج بعد الولادة، مثل بكاء الطفل والنوم المتقطع للأم وألم الثدي والحلمة نتيجة الرضاعة، وربما تظهر هذه الأعراض بعد ثلاثة أو أربعة أيام بعد الولادة، ولكنها تختفي من نفسها خلال أسابيع قليلة.

ولكن إذا استمرت أعراض هذا الاضطراب المزاجي أكثر من أسبوعين؛ فإن هذه المرأة الحديثة الولادة تعاني من حالة اكتئاب ما بعد الولادة، وهي حالة تشبه الاكتئاب الإكلينكي.

وأثبتت الأبحاث أن نحو 12-16% من السيدات عانين من اكتئاب ما بعد الولادة، وما يصاحبه من شعور السيدة بعدم الكفاءة لتصبح أمًّا، وضعف التركيز والذاكرة، وفقدان الاهتمام والتمتع بأي نشاط، والإحساس بعدم الأهمية وفقدان الأمل، ولكن ماذا تفعل السيدة إذا ما عانت من هذه الأعراض؟

في حالة إصابة السيدة بالاكتئاب تعرف أن هذه الأفكار الشريرة التي تسيطر عليها أفكار خطأ، وإذا ما أدركت ذلك فلن تقدم على أي فعل يمكن أن يلحق الأذى بطفلها، ولكن في حالة إصابتها بالذهان تعاني من انهيار في قواها العقلية وتجد صعوبة في التفرقة بين الحقيقة والخيال؛ ولأن السيدة مصابة بالذهان ليس لديها "مؤقتًا" القدرة اللازمة لرعاية وليدها الحديث، وقد تؤدي حالتها إلى محاولة إقدامها على الانتحار أو محاولة قتل وليدها.

وظاهرة قتل الأطفال نادرة لا تتعدى 4% من الأمهات اللاتي يعانين من ذهان ما بعد الولادة، وقد تقل هذه النسبة، إذا توافر التعليم والعلاج المناسب.

تقويم الأسباب

ومثل معظم الأمراض العقلية أسباب اضطراب المزاج ما زالت تحت الدراسة والأبحاث، ويُعتقد أن هذه الأعراض نتيجة اختلال في توازن الهرمونات، ما يؤثر على الاتزان الكيميائي في المخ، وكثيرًا من الآراء تعزو السبب إلى الانخفاض الحاد في نسبة هرموني الأستروجين والبروجيسترون بعد الولادة، والسيدات اللاتي يظهر في دمائهن أجسام مضادة للغدة الدرقية في أثناء الحمل يصبن باكتئاب ما بعد الحمل ثلاثة أضعاف ما يحدث لأخريات.

وأكدت الأبحاث أن للهرمونات دورًا في علاج اضطرابات ما بعد الولادة في المستقبل، إذ تستخدم الهرمونات علاجًا أولًا، ثم بعد ذلك تستخدم للوقاية من هذه الاضطرابات.

وإن مستوى هرمونات الغدة الدرقية ينخفض بدرجة ملحوظة بعد الولادة، وكما هو معروف منذ سنين طويلة أن انخفاض تلك الهرمونات يسبب أعراضًا اكتئابية، كذلك التاريخ المرضي في الأسرة يزيد من احتمالات حدوث اكتئاب، ما يعزز وجود عامل وراثي أيضًا، وإن تكرار حدوث تلك الأعراض في الحمل القادم وارد جدًّا، لذلك يجب عليهن استشارة الطبيب النفسي، إذا فكرن في الحمل مجددًا.

ولاشك أن هناك عوامل اجتماعية لها دور مهم في هذا الموضوع، مثل فقدان المساندة الاجتماعية كضعف العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، وضعف المعلومات عن رعاية الطفل والجنين قبل الولادة وبعدها، ولذلك الأنظمة الطبية القوية المساندة للأم سوف تساعدها على التغلب على الأوقات الصعبة التي تقابلها في أثناء الحمل والولادة والرضاعة، خاصة أن المجتمعات دائمًا ترسم صورة الأمومة بطريقة رومانسية حالمة، ما يؤدي إلى وجود فرق كبير وشاسع بين ما تتخيله المرأة والواقع.

وهناك أيضًا الضغوط الاجتماعية مثل فقدان شخص قريب إلى النفس، أو الخلافات الزوجية، أو فقدان الأمن المادي؛ كل هذه العوامل تضع المرأة تحت ضغوط، وتجد صعابًا كثيرة للتوافق مع وضعها الجديد أمًّا مسئولة عن طفل يحتاج للرعاية والحنان.

واتفق معظم الخبراء على أن العلاج عن طريق الأدوية، مع التحدث إلى هؤلاء الأمهات لإسداء النصح لهن عن طريق الطبيب النفسي ومجموعة العلاج النفسي، ومن الأدوية الشائعة الاستعمال مضادات الاكتئاب الحديثة مثل: (البروزاك) و(الباكسيل) ومضادات القلق، وفي حالة ذهان ما بعد الولادة العلاج يجب أن يكون داخل المستشفى النفسي؛ لأن هذا المرض يمثل تهديدًا لحياة الأمهات والأبناء على حد سواء؛ لأن 50% من السيدات اللاتي أصبن باكتئاب ما بعد الولادة معرضات للمرض نفسه في الولادة القادمة؛ فإنهن مطالبات بالتروي والتفكير الجيد والتخطيط الطبي قبل اتخاذ قرار الحمل مرة أخرى.

ملفات أخرى متعلفة