ليسوا سواء

د.محمد عمارة
الخميس ١٠ ١٢ / ٢٠١٥
كان مكرم عبيد باشا (1889 – 1961م) نموذجا للقبطي الجامع للهوية الوطنية والعربية والإسلامية، ومن كلماته الجامعة: "المصريون عرب.. ورابطة اللغة والثقافة العربية والتسامح الديني هي الوشائج التي لم تفصمها الحدود الجغرافية، والوحدة العربية هي من أعظم الأركان التي يجب أن تقوم عليها النهضة الحديثة في الشرق العربي، ونحن مسلمون وطنا ونصارى دينا.. اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارا، واللهم اجعلنا نحن نصارى لك وللوطن مسلمين".

ومن رجال الإكليروس الأرثوذكس، عبر الأنبا موسى - أسقف الشباب، وعضو المجمع المقدس- عن هذا التوجه فقال: "نحن مصريون عرقا، لكن الثقافة الإسلامية هي السائدة الآن، وأي قبطي يحمل في الكثير من حديثه تعبيرات إسلامية، يتحدث بها ببساطة، ودون شعور بأنها دخيلة، بل هي جزء من مكوناته، ونحن نحيا العربية لأنها هويتنا الثقافية، ومصر دائما دولة مسلمة ومتدينة، ولكن بدون تطرف".

لكن الغواية الاستعمارية للأقليات المارونية والكردية والقبطية والأمازيغية، وخاصة بعد إقامة الكيان الصهيوني، قد دفعت قطاعات من هذه الأقليات إلى طريق الطائفية المعادية لهوية العروبة والإسلام، فوجدنا سلامة موسى (1888- 1958م) يقول: "أنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب، وإذا كانت الرابطة الشرقية سخافة فإن الرابطة الدينية وقاحة، ونحن نريد العامية – لغة الهكسوس – لا العربية الفصحى لغة التقاليد والعربية والقرآن"!.

ووجدنا لويس عوض (1915- 1989م) يصف اللغة العربية بأنها دخيلة وميتة، وأنها الأغلال التي يجب تحطيمها"!.

ولقد تبلور هذا التيار الطائفي في "جماعة الأمة القبطية" – التي أعلنت عن نفسها في 11 سبتمبر عام 1952م – في رأس السنة الفرعونية، والتي ادعت "أن الأقباط أمة، وهم يطلبون حذف النص الدستوري الذي يقول إن الإسلام دين الدولة وإن اللغة العربية هي لغتها، وإن مصر كلها أرضنا سلبت منا بواسطة العرب المسلمين منذ 14 قرنا، ونحن سلالة الفراعنة، وسيكون دستورنا هو الإنجيل، وتكون لغتنا الرسمية هي اللغة القبطية"!.

وامتدادا لهذا التيار الطائفي، أعلن الأنبا غريغوريوس (1919 – 2002م) الرجل الثاني في الكنيسة الأرثوذكسية، وأسقف التعليم والبحث العلمي والدراسات العليا: "أن اللغة القبطية هي لغتنا، وهي تراث الماضي ورباط الحاضر، وهي من أعظم الدعائم التي يستند إليها الشعب المسيحي، وهي السور الذي يحمينا من المستعمر الدخيل"!.

ويدعو الأنبا مرقس – عضو المجمع المقدس، والمتحدث الرسمي باسم الكنيسة – إلى أن يكون عيد النيروز – أول شهر توت الفرعوني - إجازة رسمية للدولة المصرية، ويقول: "إن مصر هي بلد الأقباط، وهم أصحابها"!.

ويعلن الأنبا توماس – عضو المجمع المقدس – في محاضرة - بمعهد "هديسون" الأمريكي بواشنطن في 18 يوليو 2008 – أن الشخص القبطي يشعر بالإهانة إذا قلت له إنك عربي، وأن اللغة القبطية هي اللغة الأم لمصر، وأن الأقباط يعانون ويحاربون خطري التعريب والأسلمة! وأنهم قد وجدوا ثقافتهم تموت، ووجدوا أنفسهم مسئولين عن حمل ثقافتهم والمحاربة من أجلها حتى يأتي الوقت الذي يحدث فيه انفتاح وتعود دولتنا لجذورها القبطية، وحتى يأتي هذا اليوم، فإن الكنيسة تقوم بدور الحاضنة للحفاظ على هذا التراث القومي المختلف!، وأن المسلمين قد خانوا الأقباط منذ الاحتلال العربي لمصر"!.

ولقد كانت إسرائيل حاضرة، بالغواية للتيارات الطائفية للأقليات، فلقد استضافت هذه التيارات بندوة مركز "باريلان" – في مايو 1992م – التي أوصت بأن هذه الأقليات شريكة لإسرائيل في المصير ولابد أن تقف مع إسرائيل في مواجهة ضغط الإسلام والقومية العربية"!!.

فهل نعي هذه الحقائق ونحن نشهد تطبيقاتها على أرض الواقع الذي نعيش فيه؟!.

ملفات أخرى متعلفة