إقرأ المزيد <


الانتفاضة والرؤية الجيوسياسية العربية

حازم عياد
إثنين ٠٧ ١٢ / ٢٠١٥
الموازين العربية باتت مختلة والتحالفات والمحاور هشة، إذ تعاني من حالة سيولة بتأثير من الهواجس والتباينات العربية الداخلية والخارجية، ويفاقم هشاشتها وضعفها التقارب مع الكيان الإسرائيلي؛ فالتباينات والمصالح الضيقة باتت تحكم مسار التحالفات العربية، بصورة سهلت على الكيان الإسرائيلي اختراقها والعبث فيها، ففي الوقت الذي يحقق فيه الكيان الإسرائيلي مكاسب كبيرة من اختراق هذه التحالفات على صعيد القضية الفلسطينية إن الكلف والخسائر التراكمية من الانفتاح العربي على الكيان الإسرائيلي تتضاعف دون مكاسب ترتجى؛ فالكيان الإسرائيلي يتقن توظيف هذه العلاقات دون تحمل أي كلف من الاصطفاف الطائفي أو الدولي الأمريكي الأوروبي الروسي.

الانتفاضة الفلسطينية ومشروع التحرر والاسترداد يمثل الضحية الأساسية للتصارع العربي، والخلل في التوازنات الإقليمية والمحكومة بهواجس سياسية داخلية في مجملها، فالدول العربية فشلت في توظيف الانتفاضة في تعزيز مكاسبها الإستراتيجية وتعزيز حضورها الإقليمي، كما فشلت من قبل في توظيف المقاومة الفلسطينية في بناء مشروع عربي إقليمي، الأمر الذي نجحت فيه طهران من قبل.

فمع النجاح الذي أحرزته مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في أوروبا وأمريكا لمقاطعة الكيان الإسرائيلي عبر حملة المقاطعة (BDS)، والنجاحات المتحققة في مجال عزل الكيان الإسرائيلي في أمريكا الجنوبية واللاتينية، والملاحقات القضائية لقادة الكيان في المحاكم الأوروبية؛ مازال الكيان الإسرائيلي قادرًا على إرباك الحملة وتقويضها باختراق الساحات العربية في المجالين الاقتصادي والسياسي، الأمر الذي يفاخر به رئيس وزراء الكيان نتنياهو، عادًّا ذلك إستراتيجية فاعلة في مواجهة حملات المقاطعة، التي كان من المتوقع أن تشتد في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية.

ليظهر في الصورة الكيان الإسرائيلي الذي أتقن توظيف التحالفات العربية الهشة والفاقدة للتجانس في خدمة الاحتلال والهيمنة على فلسطين أرضًا وشعبًا، فارضًا مزيدًا من الضغوط على الشعب الفلسطيني، موجهًا بذلك رسائل قوية لدفع الفلسطينيين إلى القبول بالأمر الواقع المتمثل بتمدد الاستيطان، والسيطرة على القدس والأقصى، وشرعنة سياسة الاحتلال القائمة على الاغتيال والقتل والحرق والاعتقال، الأمر الذي يضاعف من أزمة الدول العربية بإضعاف مناعتها الخارجية والداخلية في مواجهة التحديات، فالقضية الفلسطينية ترسم في حدودها المفهوم التقليدي للأمن القومي العربي، وغيابها يعني ضياع هذا الأمن وضياع البوصلة جغرافيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا أيضًا، معززًا بذلك حالة التيه الذي يعيشه العرب منذ أكثر من 100 عام.

المكاسب المتحققة عربيًّا من التقارب الاقتصادي والسياسي مع الكيان الإسرائيلي بدورها ذات طبيعة إشكالية، تعكس خللًا واضحًا في القراءة العربية للمشهد الجيوسياسي الآخذ في التبلور في بالمنطقة، إذ يذهب بعض مثقفي الكيان الإسرائيلي إلى القول: إن التقارب بين الكيان ودول عربية بعينها يجب ألا يقود الكيان ليكون طرفًا في الصراع السني الشيعي، أو في الصراع مع روسيا لتصبح الصورة هزلية، فالرابح الحقيقي من العلاقات مع الدول العربية هو الكيان الإسرائيلي دون خسائر أو أعباء، والأهم دون مكاسب فعلية للدول العربية، إذ ستعزز الانقسام السياسي الداخلي في العالم العربي مهددة بتقويض الشرعية السياسية والثقافية، وتؤسس لمزيد من الصراعات والانقسامات الأخذة في التعمق على المستويين المحلي والاجتماعي وعلى المستويين الإقليمي والدولي، مضعفة بذلك مناعة الدول العربية وقدرتها على التعامل مع التحديات الجيوسياسية والإقليمية، ومن ضمنها الإرهاب.

العرب دون إستراتيجية، وصراعاتهم الداخلية على مستوى القطر أو على مستوى الإقليم في ليبيا واليمن وسوريا والعراق ولبنان تزيد من هشاشة السياسات المتبعة، وتجعل اليد الطولى للكيان الإسرائيلي الذي يتغلغل في البنية الاقتصادية والسياسية دون أن يتحمل أي تبعات سياسية أو كلف اقتصادية، في قطاع الطاقة «الغاز» الذي يلعب دورًا في صياغة التحالفات الجيوسياسية كما هو الحال بين الكيان الإسرائيلي ومصر وقبرص واليونان وروسيا، مستهدفًا بذلك تركيا في المقام الأول، أو التحالفات المتعلقة بمواجهة إيران في الخليج العربي والتي تضم أمريكا، أو العلاقات البنيوية المتعلقة بمشاريع المياه في نواحي أخرى من العالم العربي، وتضم استثمارات اوروبية.

الكيان الإسرائيلي كما هو واضح بات حاضرًا وموجودًا في كل التحالفات دون كلف متوقعة، محرزًا بذلك اختراقًا عميقًا دون تحمل أي كلف سياسية أو أمنية أو اقتصادية، على الصعيدين الداخلي والإقليمي، بل مكاسب واضحة في محاصرة وقمع الفلسطينيين، ومحاصرة انتفاضتهم، فهي الهدف والغاية من الاختراق الصهيوني العميق للمنظومة العربية المتهاوية، أمر بات يضعف الجهد الفلسطيني الاستثنائي في داخل فلسطين وخارجها لمواجهة التهديد الإستراتيجي التقليدي الممثل بالكيان الإسرائيلي؛ فالاختراق الصهيوني وإضعاف الانتفاضة يضعفان مناعة الأنظمة العربية داخليًّا أمام مظاهر التطرف والانقسام السياسي، إلى جانب إضعاف مناعتها وقدرتها على مواجهة التهديدات الجيوسياسية المتعاظمة في الإقليم والعالم، فالعرب مرة أخرى يكررون الفشل من حيث نجحت طهران وأنقرة.

ملفات أخرى متعلفة