إقرأ المزيد <


الدُّمى.. متعةٌ كُبرى بعالم الأطفال وعلاجٌ لمشكلاتهم

حنان مطير
كانت في السابعة من العمر عندما أرسل لها والدُها المسُافِر دميةً كبيرة تحمل شكل الأرنب بملامحه البسيطة الناعمة، فكيف يرضيها وهو مضطرٌ للابتعاد عن بلاده وأهله وابنته الوحيدة وقتاً طويلاً ؟ ليس إلا بتلك الدُّمية..

لم يكن هنالك أسعد من تلك الطفلة بدميتها الجديدة في وقتٍ لم تكن الدُّمى متقنةَ الصنع وبالشكل الذي عليه الآن، كان حقاً أرنباً مميزاً بتقاسيم وجهه التي يُظَنُّ بها عن قربٍ أنه "حقيقة" لا مجرد "دمية" مصنوعة من قطنٍ وقماش وبعض القطع البلاستيكية وبطارية صغيرة تجعله يقفز هنا وهناك.. أطلقت تلك الطفلة على دميتها اسم "أرنوبي"، ولم تكن تصحو أو تغفو إلا وهو في حضنها أو يلامس وجهُهُ وجهَها الصغير..

ظلَّت تلك الطفلةُ محتفظةً ب "أرنوبي" سنين طويلة يرافقها أينما ذهبت كأعزِّ رفيق وأقرب.. حتى إذا ما طويت السنون وكبرت الطفلة وأصبحت شابة، قرّرت أن تُخبِّئ "أرنوبي" ليكون أول دميةٍ تمسِكها ابنتُها أو ابنها.. لقد كانت تلك الدمية شيئاً مهماً للغاية في نظرها.. كان مهماً أكثر مما نتصور!

"فلسطين" وفي صفحة "أطفالنا" لهذا الأسبوع قرَّرت أن تقف هنا وتسأل ما الذي توحيه الدُّمى للأطفال وما سرُّ التعلق بها؟ وهل اقتناؤها فيه حُرمة تؤثِمُ صاحبها كما نسمع من البعض؟

ولنرَ أولاً رأي الأستاذة عايدة كساب الاختصاصية النفسية والإكلينية ببرنامج غزة للصحة النفسية في هذا الموضوع..

تقول كساب:" الألعاب هي حياة الطفل، فهي تشعره بالسعادة والمرح،وهي دلالةٌ على وجود طفلٍ سويٍّ وبصحة نفسية وعضوية جيدة، ولا يُتخيَّل أن يكون طفلٌ بلا لَعِب، إلا الذي يعاني من تخلفٍ عقليٍّ فالألعاب لا تعني له شيئاً..".

وتضيف: "اللعب ينمي في الطفل جوانب عديدة من الناحية النفسية والاجتماعية والانفعالية، وبها يمكن تفادي الكثير من الأمراض النفسية والسلوكية التي قد تصيب الطفل كالانطواء والخجل والخوف والتوتر وغيرهم، بل ومن خلالها تتعزَّز شخصية الطفل فتصبح قوية كاملة الثقة، وذات مستوىً عالٍ من الذكاء، كما تجعله قادراً على الانخراط في العلاقات الاجتماعية".


بل يمكن تحديد المشكلة التي يعاني منها الطفل من خلال تلك الدُّمى فقد أفادت كساب:"عندما أراد أحد العلماء النفسيين أن يعالج طفلاً، سأله: ممَّ تعاني؟ لم يرد عليه الطفل، بل استدار لِلُعبةٍ كانت بقربه وأمسك وصار يلعب بها، ومن خلال تلك اللعبة والطريقة التي كان يلعب بها هذا الطفل استطاع العالم النفسي التعرف على أن الطفل يعاني من اضطرابٍ نفسيّ".

وهنا تذكر لنا كساب قصة أحد الأطفال الذي جاءت به أمُه لبرنامج غزة للصحة النفسية كونه يعاني من مشكلة نفسية، وبمجرد أن دخل الطفل غرفة الألعاب أمسك بدميةٍ على شكل إنسان وأول ما فعل أن كشف عن الدُّميةِ ملابسها متفحصاً الجزء السفلي منها، ولم يكتفِ الطفلُ بذلك بل أمسك سكيناً بلاستيكية من تلك الموجودة في غرفة الألعاب وبدأ بقص ذاك الجزء من تلك الدُّمية، لتكتشف كسّاب على الفور أن الطفل عانى من اعتداءٍ جنسيٍ!

وهذا إن دلَّ على شيء فإنه يدل على ما للدُّمى والألعاب من أهمية كبيرةٍ في كشف ماهية المشكلة عند الطفل.


كما أن الدُّمى وسيلة علاجية من كل المشاكل السلوكية والنفسية واضطرابات ما بعد الصدمة التي بلا شكّ عانى منها الكثير من الأطفال الفلسطينيين بعد الحرب الأخيرة على غزة بالذات حسب قول أ. كساب.

وقد أوضحت كساب أنه لا يمكن الاستغناء عن الدُّمى والألعاب في العلاج نهائياً ضاربةً مثلاً بقولها:"لو أن طفلاً صغيراً تعرض لحادثة خوفٍ شديدة من قطةٍ أو ثعبانٍ أو غيرهما من تلك الحيوانات، وأصبح لا يقدر على رؤية هذا الحيوان وربما يصرخ برعبٍ بمجرد رؤيته، فكيف يمكن علاج هذا الطفل وإخراجه من تلك المشكلة، إن علاجه لا يكون إلا برؤية دمية على شكل هذا الحيوان بعد أن يكون الطفلُ قد اعتاد _تدريجياً_على رؤيته من خلال الصور وأشرطة الفيديو تدريجياً".

أما عن أفضل الدُّمى للأطفال كما ذكرت كساب فإنها تختلفُ من بيئةٍ لأخرى "ولا يعقل أن نأتي بالألعاب الغربية لأطفالنا لأنها لا تلبي رغباتهم وربما يحمل تصميمها شكلاً تُعيبُه الأخلاق ويُعيبُه المجتمع، كذلك فإنها تختلف من طفلٍ لآخر ومن جنس لآخر، فالإناث غالباً ما يرغبن العرائس والألعاب الهادئة أما الذكور فيميلون بالغالب إلى الألعاب القوية كالأسلحة والسيارات وغيرها..".


ولآراء الأمهات مكانٌ بين سطور صفحتنا، فتقول السيدة "ناهد":" عندما بلغ طفلي الثانية من العمر والنصف تقريباً كان يمسك بدمى أخته التي تحمل أشكال العرائس ويلعب بها كأخته التي تكبره بعامين تماماً، الأمر الذي جعل والده يستاء ويعنفه أكثر من مرةٍ حتى يترك اللَّعِب بتلك العرائس، لكنه لم يمتنع عن اللعب بها إلا بعد عام من تلك السنين، ففجأةً وجدتُه يطلب مني مسدساً وأخرى يطلب مني كرة وثالثة يطلب سيارة حتى بدا لا يرغب بدمى العرائس نهائياً".

بينما السيدة "فايزة نصار " فقد أوضحت أن طفلها البالغ ثلاثة أعوام كان يضرب العروسة ضرباً عنيفاً حتى تتكسر أعضاؤها البلاستيكية وكأن بداخله حقداً على "الإناث"!!.


يقول الدكتور محمد العمور رئيس قسم الدراسات الإسلامية وعضو الإفتاء بجامعة الأقصى:"لقد رخَّص كثيرٌ من أهل العلم كل ما يلعب به الأطفال من الدُّمى سواء كانت على شكل إنسان أو حيوان، وقد اعتمدوا في هذا الترخيص على حديثٍ ورد في سنة أبي داود، وذلك "عندما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فوجد عائشة تلعب بمجموعةٍ من الدمى ومن بينها حصان له أجنحة، فقال لها: ما هذا يا عائشة قالت: " بناتي "، وعندما سألها عن ذاك الحصان بجناحين أجابت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟، فضحك حتى بانت نواجذُه".

وهذا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعترض على ألعابها أبداً ودليل ذلك أنه ضحك.

وقد ذكر لنا د.العمور حديثاً آخر يدل على ترخيص لعب الأطفال بالدمى،"عن عائشة رضي الله عنها قالت:كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي..".

ويضيف د. العمور:"بعض الفقهاء رأوا أن يتم إزالة عضو من أعضاء هذه الدُّمى بحيث تصبح غير شبيهة بالمخلوقات الحقيقية..".

ويستكمل:"وهناك من حرَّم تلك الألعاب "الدُّمى" وذلك استناد لما قال به بعض علماء المذهب الحنبلي، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تصاوير"، فالأَولى أن يتم تحريم تلك الدُّمى على اعتبار أنها أشد إيضاحاً ودقة من الصور".


وهنا يتبيَّن لنا أن الذي حرَّم تلك الألعاب والدُّمى استند للشرع، والذي قال بالترخيص استند للشرع أيضاً وراعى حاجة الأطفال للعب وأهمية الألعاب له.

وقد رجَّح العمور الرأي الذي يرخِّص اللعب بتلك الدُّمى، مستنداً في ذلك إلى أن الإسلام يراعي كل كائنٍ على وجه الأرض فما البال بالطفل، لاشكّ أنه يهتم به وبصحته النفسية، خاصة وأن الألعاب _كما ذكر المختصون النفسيون_ وسيلةً للتعرف على مشاكل الطفل وعلاجها.

وبخصوص عرض تلك الألعاب كزينة في البيت -سواء كانت على شكل إنسان أو حيوان أو غيرهما- يرى د. العمور أن المسلمين بلا شك لا يضعونها في بيوتهم إلا لأنها مجرد عرف من أعراف الزينة وليس كمجسم للتَّعبُّد ، أي أنها أقرب للعرف وليس للتقديس، ومن ثمَّ هي ليست محرَّمة.

ملفات أخرى متعلفة