المجلس الوطني والضياع الفلسطيني

إسماعيل عامر
الأربعاء ٠٢ ٠٩ / ٢٠١٥
في ظل ضياع القدس وضياع القيادة الفلسطينية ولهثها وراء تثبيت الكرسي وعدم النظر في وجه المواطنين المحاصرين في غزة ومواطني الضفة المقهورين من عربدة المحتل وأجهزة السلطة, يدير عباس اليوم مسرحية هزلية هو مخرجها وهو أحد ممثليها, خرج علينا بتقديم استقالته هو وتسعة من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير, في الوقت الذي تمر فيه القضية الفلسطينية والقدس في مفترق طرق خطير.

إذًا صدق ياسر عبدربه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير, حين قال عن عدم حضوره للاجتماع الطارئ "إنه لا يريد أن يحضر المسرحية الجديدة لعباس, وإنه حضر وشاهد مسرحيات كثيرة له".

إلى متى هذا الضياع وهذا اللهو من قيادة عفى عليها الزمن، خصوصًا عند النظر لأعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة أصغرهم صائب عريقات عمره 60 عامًا وأكبرهم يبلغ من العمر 86 عامًا، فمتى سيكون للشباب مكانة في الحقل السياسي للقضية الفلسطينية.

في غضون أسبوع يحل المجلس ويعقد اجتماع تحضيري لاختيار لجنة تنفيذية جديدة والغريب أنها ستعقد في رام الله, وعباس يدعو كل الفصائل والمجلس التشريعي بكل كتله لحضور الجلسة, وكأن رام الله محررة من اليهود وتستطيع حماس أن تشارك هي والجهاد الإسلامي, أي بهذا الأمر يكرس الرئيس الانقسام وكأنه يقيم الحجة على حماس والجهاد بعدم حضورهما.

بكل المقاييس ما يدور في فلك عباس لاختيار مجلس جديد هو غير قانوني من حيث الزمان والمكان والأفراد المشاركين. إذ حذر عبد ربه في رسالة أرسلها إلى رئيس المجلس الوطني سليم الزعنون، ممّا أسماه "تغييب الدور الأول والأصلي للمجلس الوطني في تصحيح المسار السياسي"، مشيراً إلى أنّه تحت مسمى التجديد، يجري استبدال البعض الرافض لسياسات المتنفذين. واقترح عبد ربه السير بخطوات لنجاح المجلس الوطني في القيام بدوره كمجلس للإنقاذ الوطني، وفي مقدمتها "عقد اجتماع فوري في مقر المجلس الوطني في عمان، يضم أعضاء اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس والأمناء العامين وعددًا من الشخصيات الوطنية الفاعلة كهيئة تحضير فعلية لأعمال المجلس الوطني".

عباس لم ينم الليل وهو يسعى، لـ"صناعة" لجنة تنفيذية جديدة على مقاسه الخاص، رغم اعتراض الكثير من الفصائل والقوى، ورغم كل المعارضات إلا أنّ عباس مصر حتى الآن على المضي قدماً في طريقه، من دون النظر لأي فصيل.

لماذا عباس اختار تشكيل لجنة تنفيذية جديدة للمنظمة في هذا الوقت بالذات؟.
في الوقت الذي يقسم فيه المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً بين الفلسطينيين والصهاينة, وعدم الانتباه من قبل قيادة السلطة لخطورة هذا الأمر.

في الوقت الذي تحاول "الأونروا" طمس ثابت من ثوابت الشعب الفلسطيني الذي حافظ عليه الشعب منذ عقود, فهددت بتقليص الخدمات وصولاً بعد أشهر لإنهاء عملها بغزة والدول المجاورة, الغريب أيضاً أن الرئيس لم يوعز له أحد بهذا الأمر حتى اللحظة, أي لم يخرج لوسائل الإعلام يقول: "لا" للمفوض العام, كفاك استهتارًا بغزة وقِف عن قراراتك الهدامة.

وفي الوقت الذي يختطف أربعة من طلاب قطاع غزة في مصر بعد عبورهم معبر رفح بالوسائل القانونية, لم يتكلم ولو بحرف دفاعًا عنهم ومطالبة المخابرات المصرية بالكشف عن مصيرهم, قام عباس ولم يقعد وقت خطف ثلاثة صهاينة في الضفة الغربية وتكلم باسم أهاليهم في كل المحافل الدولية ووصف كل واحد منهم بالإنسان و"يجب علينا إرجاعهم لأهلهم بكل الطرق".

السيناريو واضح المعالم اليوم لهذه الخطوة هي أن رئيس السلطة يريد أن يجدد البيعة له من قبل حاشيته للاستمرار في برنامج التنازلات الذي خطه بيده منذ مطلع التسعينيات, في ظل التحالف المصري الإسرائيلي, فهو يسعى لأن يكون الرجل البطل على الساحة الدولية الذي صنع السلام رغم قتل شعبه بكل الوسائل من قبل عدو مجرم.

فهو يريد سد الطريق على حركة حماس بعد السماع عن قرب إبرام اتفاق مع الكيان الصهيوني لعقد هدنة معها تضمن فتح المعابر ورفع الحصار, لأنه يخشى إذا ما عقد هذا الاتفاق أن تصبح شخصيته (عباس) مهزوزة فهو يريد أن يتصدى لهذا الموقف بخروجه بصورة الرجل الذي بايعه شعبه رغم التنازلات.

والسيناريو الآخر يريد عباس الوقوف في وجه محمد دحلان الذي يسعى لأن يكون الرجل الأول في فتح بطرد كل الموالين له من فوق كراسي اللجنة التنفيذية للمنظمة حتى لا يكون هناك معارضون له إذا ما أراد أن يغير في القانون الفلسطيني ولوائح حركة فتح بحرمان المفصولين من الترشح لانتخابات مقبلة.

آن الوقت لتكوين مجلس وطني فلسطيني برنامجه برنامج إنقاذ وطني يسمح بدخول كل الفصائل تحت مظلته يكون نبراسًا للكل الفلسطيني، هدفه المصالحة الفلسطينية أولاً ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وإعادة النظر في اتفاق باريس الاقتصادي ورفع الحصار عن غزة وإطلاق يد المقاومة للدفاع عن المسجد الأقصى المستباح.

ملفات أخرى متعلفة