إقرأ المزيد <


حركة المقاومة الإسلامية الجذور والبذور 1967-1987

شفيق علقم
جمعة ١٧ ١٢ / ٢٠١٠
شهدت العلاقة بين حركة الجهاد الإسلامي والإخوان المسلمين خلافاً فكرياً؛ دارت بشأنه نقاشات حادة؛ قدمت خلالها حركة الجهاد انتقادات عديدة لحركة الإخوان، ويمكن تقسيم هذا الخلاف والنقد إلى ثلاثة مجالات هي: الجزء الأول من الانتقادات هو نقاش حقيقي وجاد يتعلق بخمس قضايا هي: اعتبار القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، وفي المقابل كان الإخوان المسلمون يرون أن الواقع العربي والإسلامي مثقل بالهموم، وأن مطالبة العرب والمسلمين باعتبار القضية الفلسطينية قضيتهم المركزية لن تجد آذانا صاغية من الحكام، وكانت حركة الإخوان ترى أن الدور الأساسي لها يتركز في بناء قوتها الذاتية داخل فلسطين وخارجها، وحين يكتمل بناء هذه القوة؛ فإن الحركة الإسلامية –ومعها كل الشعوب- ستتبنى القضية الفلسطينية وستعمل من أجلها, ويضيف الأمر مسألة ترتيب الأولويات, حيث اعتبرت حركة الجهاد أن المقاومة يجب أن تبدأ فوراً، بينما رأت حركة الإخوان أن الظرف العام في تلك المرحلة يقتضي إعطاء الأولوية للتربية وإعداد الجيل وتقوية المجتمع.

وانتقدت حركة الجهاد كذلك موقف الإخوان من الأنظمة العربية؛ واعتبرته موقفاً مهادناً لأنظمة جاهلية خاصة موضوع المشاركة في الانتخابات البرلمانية، وانتقدت حركة الجهاد كذلك موقف حركة الإخوان من الثورة الإيرانية، واعتبرت أن الثورة الإيرانية رافعة مهمة للقضية الفلسطينية خاصة في بُعدها الإسلامي، وطرحت حركة الجهاد فكرة الوحدة من خلال التعدد، بينما ركزت حركة الإخوان على أهمية الوحدة في الساحة الإسلامية، واعتبرت أن التعدد يمكن أن يعزز الولاء الحزبي بدلاً من الولاء المبدئي.
لكن الجزء الثاني فهو متأثر بحالة الخلاف الذي جعل حركة الجهاد تُعدد أخطاء وانتقادات لكي تبرر وجودها وتمايزها، وتبحث لنفسها عن شرعية تبرر وجودها في الساحة الإسلامية الفلسطينية، خاصة انتقادات مثل رفض العمل المؤسساتي، والاعتراض على موقف شباب حركة الإخوان من عدوان (إسرائيل) على بيروت سنة 1982؛ والذي وصفته بأنه لا مبالي، وأنه ناتج عن منهج التربية الذي لا يُمكّن أبناء الإخوان من التفاعل مع الواقع المحيط بهم بشكل سليم، إضافة إلى ردة فعل الإخوان على مجازر النظام السوري ضد الإخوان في حماة، والتي وصفتها حركة الجهاد بأنها جاءت قوية وعفوية لأن ما يجري لإخوان سورية يخص الإخوان الفلسطينيين؛ أما ما يجري للفصائل الفلسطينية في لبنان فلا يخص حركة الإخوان.

أما الجزء الثالث فهو تعبير عن حالة من الرومانسية الفكرية في المراحل الأولى لحركة ناشئة يقودها مجموعة من الشباب الأذكياء المتطلعين إلى مستقبل أفضل لدينهم وشعبهم، ومنفتحين حديثاً على تجارب وأفكار مختلفة، خاصة فيما يتعلق بالتجربة الإيرانية ومحاولة الاقتداء بها في الواقع العربي والفلسطيني، ورفض الواقع السياسي العربي والمطالبة بإسقاطه عن طريق الثورة.
ويمكن القول إن حدة النقاش؛ إضافة إلى حدة التنافس في الميدان راجع إلى أربعة عوامل هي: أولاً حالة الانفتاح الفكري الذي عاشه طلاب حركة الإخوان في مصر ومواجهتهم لأسئلة جديدة بشأن القضية الفلسطينية وممارسة العمل العسكري. ثانياً اطِّلاع هؤلاء الشباب على الانتقادات والنقاشات الداخلية التي يشهدها كوادر وقيادات الإخوان في مختلف البلدان العربية مثل أفكار راشد الغنوشي وحسن الترابي والشيخ محمد الغزالي وغيرهم، إضافة إلى مجلة المسلم المعاصر، وبعض الكتابات الإسلامية الفكرية مثل كتابات مالك بن نبي، كل هذه القراءات جعلت هؤلاء الشباب يعتقدون أنه لا يوجد أي أمل في أن تتبنى حركة الإخوان القضية الوطنية للشعب الفلسطيني, ثالثاً بعض التفاعلات الشخصية بين هؤلاء الطلاب وبين قيادات أو كوادر في الحركة؛ جعلت هؤلاء الطلاب يُسقطون كل ما استمعوا إليه من نقد على واقع حركة الإخوان المسلمين في غزة، لذلك اعتقدوا أن التغيير من الداخل أمر مستحيل. رابعاً خشية قيادة حركة الإخوان أن تكون هذه الانتقادات والأسئلة هي بمثابة تكرار لتجربة بروز حركة فتح، ولذلك تعاملت قيادة الحركة بحزم مع الأفكار الجديدة ليس من باب القمع أو العزوف عن العمل من أجل فلسطين، وإنما من باب الحرص على وحدة الحركة وتماسكها ونبذ كل محاولات تفتيتها استعداداً لخوض المعركة مع الاحتلال.


إن العلاقة بين حركة الإخوان المسلمين وفصائل منظمة التحرير اتسمت بالتعاون أحياناً، والتنافس أحياناً أخرى، والصراع أحياناً أخرى، وذلك خلافاً لما يعتقد الكثيرون؛ الذين وصفوا العلاقة دائماً بأنها علاقة تنافرية بشكل دائم، وعندما كان الأمر يتعلق بالصراع مع الاحتلال كان يحدث التعاون وأمثلة ذلك اتفاق الإخوان مع فصائل المنظمة على عقد مؤتمر للاعتراض على اتفاق كامب ديفيد بين مصر ودولة الاحتلال، وكذلك نضال الأطباء من أجل حقوقهم سنة 1981, حيث نظمت نقابة الأطباء إضراباً شاملاً استمر 21 يوماً شاركت الفصائل جميعها في قيادته، لكن عندما كان يتعلق الأمر بالسيطرة على أماكن النفوذ كان يجري الصراع، ومثال ذلك ما حدث في جمعية الهلال الأحمر التي تمكنت فصائل اليسار من السيطرة عليها وسد منافذ دخول حركتي فتح والإخوان إلى المواقع القيادية فيها، وكذلك في الجامعة الإسلامية التي تقاسمت حركة فتح وحركة الإخوان المناصب الإدارية العليا فيها بعد جولات من الصراع بين الفريقين.

وبشكل عام يمكن القول إن تطور العلاقة بين الإخوان وفصائل المنظمة في قطاع غزة لم يسر وفق خط تصاعدي أو تنازلي واحد، سواء نحو التعاون أو التنافس أو الصراع، ففي أوج الخلاف حول الجامعة الإسلامية كان يجري التنسيق لإضراب الأطباء، وهذا يؤكد أنه لم تكن هنالك أي موانع أيديولوجية تمنع أي فصيل من التعاون مع الفصائل الأخرى، ولكن في نفس الوقت لم تكن هنالك رؤية استراتيجية لإدارة التحالفات، وكان الجميع يدير تحالفاته بالقطعة وليس بناءً على رؤية متكاملة.

والذي يؤكد ما تقدم أن علاقة فصائل م ت ف لم تكن على نفس المستوى من التعاون بينها في كل المواقع، فمثلاً في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات كانت فصائل م ت ف تخوض انتخابات الجمعية الطبية منفردة، لكنها كانت تخوض الانتخابات الطلابية مجتمعة في الجامعة الإسلامية، وفي منتصف الثمانينيات أصبح الأمر معكوساً، وخاضت الأُطر الطلابية التابعة لمنظمة التحرير الانتخابات منفردة، بينما الكتل النقابية المهنية في الأطباء والمهندسين والمحامين خاضت الانتخابات مجتمعة.

وهذا يؤكد على أن التحالفات لم تكن ثابتة بين الأُطر والفصائل جميعها، وأحياناً كانت تتحكم عوامل عديدة منها الموقف السياسي، ومنها طبيعة الأشخاص الذين يقودون الأُطر، ومنها حجم القوة التي يمتلكها الإطار في الموقع، وحجم المصالح التي يمكن أن يتحصّل عليها من وراء التعاون أو التنافس أو الصراع.

ويتضح أيضاً من خلال دراسة العلاقة بين الإخوان وفصائل المنظمة أن علاقة التعاون في إطار العمل النقابي، وعلى وجه التحديد إضراب الأطباء، والشراكة والاتفاق على تداول السلطة مع بقية الفصائل الفلسطينية قد تعايشت مع حالة الصراع في نفس المرحلة، الأمر الذي يشير إلى نوع من العقلانية والرُّشد في سلوك هذه الفصائل بشكل عام.

ويمكن تصنيف حالات الصراع بين الأطراف إلى نوعين رئيسين: النوع الأول يتمثل في التحريض والاتهام عبر المنشورات والنشرات والخُطَب والمهرجانات، وقد شارك الجميع في مثل هذا النوع من الصراع لكن حركة فتح وتحديداً في نشرات ثلاث صدرت في نهاية عام 1984 وبداية عام 1985 هي: (الإرادة) و(الإصرار) و(اليقين)، قامت حركة فتح في هذه النشرات بالخروج عن المألوف وتوجيه تهديدات مباشرة لشخصيات قيادية بأسمائها في حركة الإخوان، وكذلك لشخصيات أكاديمية في الجامعة الإسلامية.
والنوع الثاني من الصراع تمثل في حدوث معارك بين الأطراف، بعض هذه المعارك أخذ شكل صدامات ومواجهات في شوارع قطاع غزة، والبعض الآخر اتخذ شكل كمائن وهجمات ضد شخصيات قيادية محددة وهذه الأنواع من المواجهات شاركت فيها كل الفصائل، وكانت نتائجها إصابات محدودة في الغالب، وكان المتقاتلون يستخدمون فيها العصي والجنازير في الغالب، وقد وقعت الإصابات بين كل الفصائل، أما إطلاق النار أو الاستهداف بالقنابل، فلم يحدثا إلا في حالتين فقط، الأولى ضد الدكتور إسماعيل الخطيب (وهو من بين الشخصيات التي تم تهديدها في نشرات حركة فتح) الذي استُشهد اغتيالاً برصاصة من مسدس، وكذلك قنبلة أُلقيت على منزل رئيس الجامعة الإسلامية الدكتور محمد صقر، وكان الرجلان مقربين من حركة الإخوان، أما حركة الإخوان فلم تستخدم الأسلحة النارية في صراعها مع الفصائل الأخرى.

ويمكن تسجيل أبرز محطات الصراع والمواجهات بين الإخوان وفصائل منظمة التحرير في المراحل التالية: 1980 وذلك بعد انتخابات الهلال، حيث وجد الإخوان أن حركة فتح التي تحالفت معهم ضد اليسار في محاولة السيطرة على الهلال؛ تتحالف مع اليسار لتغيير اسم الجامعة الإسلامية وفلسفتها، فقامت الحركة بتنظيم اعتصام احتجاجي في معهد الأزهر حيث اجتمع ممثلو الفصائل مع الشيخ محمد عواد للضغط عليه، ثم تطور الاعتصام إلى مظاهرة أُحرقت خلالها مكتبة الهلال، لكن قادة الإخوان يؤكدون أن المظاهرة كانت عفوية ودون تخطيط.

والمرحلة الثانية سنة 1983، عندما حاولت فصائل منظمة التحرير تشكيل لجنة عاملين للجامعة الإسلامية دون تنسيق مع الإدارة، وحاولت الفصائل تعطيل الدراسة في الجامعة، لكن الإخوان ساعدوا إدارة الجامعة في تسيير الدراسة، وحدثت مواجهات بين الطرفين؛ كانت خلالها كل فصائل المنظمة مجتمعة مقابل حركة الإخوان.

والمرحلة الثالثة، كانت سنة 1985 بين الإخوان وبين حركة فتح، بعد اغتيال الدكتور إسماعيل الخطيب، بدأت في الجامعة ليوم واحد ثم انتقلت إلى شوارع قطاع غزة.

والمرحلة الرابعة، كانت سنة 1986 بين الإخوان وبين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبدأت على شكل خلاف بين طالبات الطرفين في الجامعة، وفوجئ الجميع باعتداء على إحدى طالبات الكتلة الإسلامية في مخيم جباليا، فتطور الأمر إلى اشتباكات بين الطرفين في شوارع قطاع غزة.

لكن في كل المراحل السابقة لم تكن حالة الصراع تستمر أكثر من أيام، وكانت الشخصيات الوطنية والوجهاء وذوو الشأن في قطاع غزة يحاصرون الخلاف، وينجحون في تحقيق المصالحة خلال أيام.

ملفات أخرى متعلفة