إقرأ المزيد <


فتوى تبيح للمرأة ضرب "زوجها"

أعطاها "علقة سُخنة".. فرَدَّتْ بِـ "القاضِيَة"!

غزة - ماجدة أيوب
من فصول كتاب الحياة المضحكةِ المبكية، ما نشرَته مؤخّراً إحدى وسائل الإعلام المصرية عن زوجٍ اضطر لهجر منزل الزوجية هرباً من زوجته التي اعتادت التعدي عليه بالضرب الجسدي وسبّه وشتمه أمام الناس لإجباره على تناول الدواء الموصوف له لعلاج العقم.

ونقلت الوسيلة على لسان خبيرةٍ نفسية تعمل في محكمة الأسرة قولها إن "الزوجة لم ترحم ضعف زوجها الإنساني، بل ضربته مراراً لإجباره على تناول الدواء في الموعد المحدد، وذلك بعد زواجٍ استمر ثلاث سنوات وقصة حبٍ عاصفة".

من جهتها، بررت الزوجة تصرفها بـ ضعف شخصية زوجها، واستسلامه الدائم، "ما يضطرها إلى ضربه" –على حد تعبيرها-.

والأدهى من ذلك، أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، أجرى دراسةً استطلاعية حول ضرب المصريات لأزواجهن، فتبيّن أن 28% من مجموع المصرِيات يضربنَ أزواجهنّ!!!، "لتتفوق بذلك المرأة المصرية على جميع نساء العالم بهذه المسألة" –كما أوردت الصحيفة-.

هذه مرة –ربما- من المرات القلائل التي تناولت فيها الصحافة الفلسطينية، قضية "الضرب بين الأزواج" من منطلقٍ مقلوب (ضرب الزوجة لزوجها)، على عكسِ الشائع في فلسطين (حيث الزوجة تُضرَبُ ولا تَضْرِب".. ولكن هل تعلم عزيزي القارئ/ عزيزتي القارئة، أنه –وبعيداً عن القصّة المطروحة أعلاه- فإن الدين الإسلامي أباح حقّاً للزوجة ضرب زوجها بشرط (حُسنِ التقدير للموقف)؟.. ولكن كيفَ يكونُ ذلك؟.. هذا ما سيناقشه التقرير التالي:


فتوى للشيخ عبد المحسن العبيكان، نقلتها صحيفة "الشمس" السعودية المحلية، تسمح للزوجة بضرب زوجها "دفاعاً عن النفس"، وجاء فيها:"كما يجوز لها هجر فراش الزوجية إذا قصّر الزوج في حقّها بأن امتنع عن نفقتها، أو أساء عشرتها، أو استخدم العنف في علاقته بها.

وهذا ما حدَثَ مع "ريم" –اسمٌ مستعار-، التي اضطرت "كي تخلّص نفسها من براثن زوجها المدمن، قبل ثلاثة أعوام، أن تضربه بعصىً قريبة.

قالت :"زوجي أدمن المخدّرات بعدما طُرِدَ من عمله، وكان عمر زواجنا آنذاك عامٌ واحد.. تغيّر تعامله معي، وصار يتلذّذ برؤية دموعي، وسماع صرخاتي، ولم يكن يتركني إلا إذا نزفت بقعةٌ في جسدي".

تتابع :"كان مجرّد التفكير في اللجوء إلى أحد يعني أن حياتي كزوجةٍ ستنتهي، وأنني سأكون مطلّقة سيّما وأنني كنتُ حاملاً في شهري السابع، وأهلي لا يستطيعون الإنفاق عليّ وعلى ابني، فلجأتُ إلى الصمت والدعاء"، مستذكرةً ذلك اليوم الذي –ثأرت فيه لنفسها- بالقول :"كنتُ نائمة، وعاد هو قريب الفجر، وفجأةً وجدتُه انقضّ عليّ يشدّ شعري ويشتمني، ويوجّه إلى وجهي اللكمات القوية..

ثم بدأتُ أنزِف.. أيقنتُ بعدها أن ولدي على شفا الموت، وعلى الرغم من إنهاكي الشديد، وجدتُ تحت يدي عصا قريبة، فأمسكتها، ودفعته بأقصى قوّة نحو الحائط ثمّ انقضضت عليه أضرب رأسه حتى وقع مضرجاً بدمائه"..

بعد ذاك بدأ علاج زوجها في مصحّةٍ لمعالجة الإدمان، وعاد اليوم إلى حياته طبيعياً "وإن كانت سوسة الضرب لا تزال تنخر في رأسه حتى اليوم، ولكن على وتيرةٍ أخف، خصوصاً وأن عقله أصبح معه" –وفقاً لـ ريم...!!!

محامٍ في المحكمة الشرعية بغزة –رفض ذكر اسمه- حدّث "فلسطين" بأن بعض القضايا التي يستقبلها هي قضايا اعتداء زوجة على زوجها بالضرب المبرح!، ويقول :"في مرّةٍ أتتني امرأة تشتكي زوجها، وتطلب الطلاق منه لأنه لا يكفيها وعائلتها حاجتهم من المال، ولكن.. عندما رأيتُ الزوج، خلَعَ أمامي قميصه، وإذا بعلامات أظافر زوجته ناشبةً فوق جلده".

وفي قضيةٍ أخرى، "جاءني زوجٌ يودّ رفع قضيةٍ على زوجته قبل تطليقها، لأنها ضربته بكعب حذائها ففتَحَتْ رأسَه"!
بالعصى أو بالحزام.. أو بالحذاء؟!

وعلى الطرف النقيض.. لا بدّ من التطرّق إلى القضيّة حسب حالاتها الشائعة، (ضرب الزوج لزوجته) من منطلق القوامة والسيادة، وما نصّ عليه الإسلام بشأنِ ذلك.. فللأسف، رجالٌ كثُر جعلوا من ضرب المرأة حقّاً مطلقاً "أعطاهم إياه القرآن" –حسب اعتقادهم- دون مراعاة الشروط المطلوب توافرها لتطبيقه..

"زهرة" –اسمٌ مستعار- امرأةٌ لا تزالُ ورغم تجاوزها سنّ الاربعين، تتلقى الضرب على يد زوجها في الوقت الذي يحلو له فيه ذلك.. قالت لـ "فلسطين": "لا يجد زوجي وسيلةً لإثبات رجولته أمام إخوانه القاطنين معنا في العمارة ذاتها إلا ضربي، وإيذائي بأقبح الشتائم، والبصق في وجهي"، موضحةً أن ذلك يجعلها في موقفٍ هو الأسوأ أمام أبنائها –الذين بدؤوا يتمرّدون عليها- كما يطلب منهم والدهم، ونساء إخوانه الذين ينالون أحسن المعاملة من أزواجهم.

وتتمم :"لا يكتفي بضربي بيده، بل يستخدم العصا أحياناً، وأحياناً أخرى حزامه القاسي، وفي مرّاتٍ عدة.. ضرب حذائه بوجهي"، مبينةً أنها تركت بيته ثلاث مرات، "ولكن ناره، ولا جنّة كلمة مطلّقة"..!!


أما "ريهام" فهي التي لم يمضِ على زواجها تسعة أشهر، فتصف ما يحدث معها بالقول :"يظنّ نفسه في حلبة ملاكمة.. وكأنه يواجه أمام عينيه رجلاً مثله في البنية"، وتكمل :"لا أستطيع أن أنسى إساءته لي، تلك الكدمات الزرقاء التي تخلّفها قبضته على وجهي شاهدٌ سأذكره كلما نظرتُ إلى وجهي في المرآة.. ".

وتستذكر يوم كانت مخطوبة بالقول :"زيّن لي الحياة القادمة على أنها ستكون مبنية على التفاهم.. قال لي إن الضرب وسيلةٌ مرفوضةٌ تماماً، وأقنعني بأن الشراكة هي القيمة التي ستسير بها حياتي معه نحو النهاية,,, ولكن.. للأسف..." ، أشاحت ريهام بوجهها وانتهى كلامها.


في الفقرة الأولى ما بعد المقدمة، أوردنا فتوى الشيخ عبد المحسن العبيكان، وقلنا إن ضرب الزوجة لزوجها مباحٌ بشرط حسن التقدير.. والمقصود بحسن التقدير هنا، أن تشعر الزوجة أن زوجها كاد يقتُلُها، أو أنها لم تعد قادرة على تحمّل ضربه، وهذا ما أكّده د.ماهر السوسي نائب عميد كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية، الذي بيّن سلامة الفتوى، على اعتبار أنها تدخل ضمن إطار المعاملة بالمثل، أو الدفاع عن النفس "إذ لا يحقّ لأي إنسان الاعتداء على إنسان آخر إلا بما شرّع الله".

وقال :"الحياة الزوجية عبارة عن حقوقٍ وواجبات يخضع لها الطرفان، والله سبحانه وتعالى جعل القوامة في الحياة الأسرية للرجل كونه الأكثر احتمالاً والأقوى على الكسب، وذلك بدليل قوله جلّ وعلا :"الرِّجَالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ "، وهنا القوامة منصب تكليف لا منصب تشريف كما يعتقد المعظم".

وأردف قائلاً:"فإذا قصّرت الزوجة في واجباتها تجاه زوجها –المكلّفة بها- كان عقابها مطلوباً، ولكن بتدريجٍ نصّ عليه الخالق بقوله في سورة النساء، آية رقم (34) :"وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً".

أما شرحُ التدريج فهو كالتالي –كما أفاد د.السوسي- :"أولاً الوعظ، وهذا لا يأتي إلى بالمسايسة والتودد والنصيحة بالكلمة الطيبة، في محاولةٍ لردها إلى الطريق القويم، فإذا عادت كفى الله المؤمنين شرّ القتال، وإلا فالهجران ثاني الحلول".

أما في الهجران، فيحق للزوج هجر مضجع زوجته وفق شروطٍ حددها الشارع، بأن يهجرها في المكان ذاته بلفّ ظهره عنها فقط، فإن استعصى ذلك، فليهجرها ولكن دون ترك بيته، وهذا هو الحال ذاته بالنسبة للهجران الذي جاءت به الفتوى المذكورة الخاصة بالنساء.

أما الحل الثالث فهو الضرب، وعنه تحدّث قائلاً :"الضرب المذكور في الآية لا يكون أبداً كذاك الذي نشاهده في عصرنا هذا، بالعصيّ وبالحزام وضربٌ في المقاتل، وآخر يتسبب بتشوّهات، وشدٌّ للشعر، وشتمٌ وبصق.. وهذا كلّه "حرامٌ شرعاً" وينافي الآية الكريمة التي تقول :" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ"، وقوله تعالى :"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم""، شارحاً معنى الضرب المباح بقوله :"هو الضرب الذي لا يسبب أذى.. جرحاً أو كسراً أو تشويهاً لخلقة الله، ويكون بأداةٍ غير حادة".

واستشهد على ذلك ما نقله الصحابة رضوان الله عليهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، حينما بيّنوا في باب تفصيل الضرب غير المبرح، "أنه يكون بالسواك أو بطرف الثوب، ولا يكون في مقتل"، مستطرداً :"القصد من ضرب الزوجة تأديبها، وإيلامها معنوياً لا جسدياً بحيث تسألُ نفسها سؤالاً (من هو الذي يُضرَب؟).. وحينها ستجد في الإجابة أن المخطئ فقط هو ذاك الشخص.


من جانبه اعتبر المستشار الاجتماعي والتربوي د.فوزي أبو عودة –وتعقيباً على فتوى العبيكان- ، "الدفاع عن النفس" حقّاً مكفولاً لكل إنسان يتعرّض للعنف، معقّباً :"والمرأة إذا شعرت بقسوة ما تعانيه من الضرب، فيحق لها هنا ردّ الضرب بمثله".

ولكن هل من طرقٍ أخرى يمكن للمرأة من خلالها أن توصل إلى زوجها رسالةَ "اعتراضٍ" على تعنيفها بشكلٍ التفافيّ؟ "نعم" يجيب د.أبو عودة، مكملاً :"يمكن للزوجة إذا كانت من ذوات الشخصيات القوية، أن تصارح زوجها، بالألم الذي يسببه ضربه لها، والشرخ الذي يحدثه في العلاقة بينهما، فإن لم تستطع، فلها أن تلجأ إلى أحد الثقات الذين يستطيعون التأثير على زوجها، لنصحه، وتبيان خطئه، فإن لم يتّعظ فيمكنها اللجوء إلى بعض الكتيّبات تلقيها في مكان جلوسه بطريقةٍ عفوية، توضح له حقوق المرأة التي كفلها الإسلام، وواجباتها، وكذلك حقوقه وواجباته، أو أن تعرّضه لسورة المائدة بشكلٍ تلقائي ليستمع إلى الأحكام الخاصة بالنساء وحقوقهن.. لعل وعسى يؤثر ذلك ويصلح حاله".

واستنكر د.أبو عودة، على الأزواج فكرة ضرب زوجاتهم، مستشهداً بقوله صلى الله عليه وسلم :"استوصوا بالنساء خيراً"، وقوله :"رفقاً بالقوارير"، موجهاً حديثه إلى الزوج :"لا تنسى أنك يوم القيامة سوف تقف أمام ربّك، فتجد امرأتَكَ أمسَكَتْ بتلابيبك، ونادَت ربّها.. يا ربّ اقتصّ لي منه، إنه ظلمني في كذا وكذا..".

وأكّد أن "الضرب" كوسيلةٍ أساسية في التعامل بين الزوجين، يترك أثراً سلبياً على العلاقة الزوجية يبدأ بالطلاق العاطفي (نفور كليهما من الآخر رغم تواجدهما معاً)، يليه الطلاق الحقيقي الذي يكون نتاجاً لاستحالة استمرار الحياة بينهما.

ولكن إذا عدَل الزوجُ عن تعنيف زوجته –ينصحُ د.أبو عودة- :"فعلى المرأة أن تحاول قدر المستطاع نسيان إساءته لها، عليها أن لا تغرق عيونها بدموع الماضي، حتى لا تغلق عنها فهم الحاضر وتخطيط المستقبل".

ملفات أخرى متعلفة