إقرأ المزيد <


ذكرى "حماس".. الجذور والبذور 1946-1967م

شفيق علقم
ثلاثاء ١٤ ١٢ / ٢٠١٠

بدأ الإمام حسن البنا اهتمامه بفلسطين منذ تأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين عام 1928م، وقد نبع هذا الاهتمام من عاطفة جياشة تجاه المقدسات التي يخطط الأعداء للسيطرة عليها؛ وفي هذا السياق بعث البنا رسائل التأييد والتضامن، وقدّم الاقتراحات للحاج أمين الحسيني؛ إضافة إلى كتابته مقالات أخرى لتنبيه المسلمين إلى خطر الصهيونية.

وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936؛ أرسل البنا الوفود إلى فلسطين، وتحرك في مصر طولاً وعرضاً يجمع التبرعات، وراسل الحكام والمسئولين والزعماء يطلب منهم تقديم المساعدة للمجاهدين الفلسطينيين.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أسست جماعة الإخوان المسلمين فروعاً لها داخل فلسطين في حيفا ويافا والقدس، وجاء تأسيس فرع الإخوان في مدينة غزة خلال جولة الأستاذ سعيد رمضان في فلسطين أواخر عام 1945م وبدايات عام 1946م، وفي مطلع هذا العام أصدر الإخوان بيانهم الأول والذي حمل توقيع (مجلس الإدارة المؤقت لجماعة الإخوان المسلمين بغزة)، وكان البيان عبارة عن تعريف بجماعة الإخوان المسلمين.

لقد أجمعت أغلب الدراسات التي تناولت تأسيس فروع جماعة الإخوان في فلسطين على أن الأمر تم بمبادرة مصرية، لكنهم اختلفوا في التفسير، وجاء التفسير الصهيوني من خلال كتابات أمنون كوهين معتبراً أن حركة الإخوان في فلسطين حركة دخيلة أسسها غرباء، ولا علاقة لسكان البلاد بها، ويمكن القول إن هذا التفسير يأتي منسجماً مع العنصرية الصهيونية التي ترى فلسطين أرضاً بلا شعب، وطالما أنها كذلك في نظرهم، فليس غريباً أن يعتبروا أنها عاجزة عن ولادة حركات سياسية تدافع عن الأرض ضد الاستعمار.

أما بعض الدراسات الفلسطينية فإنها تعتبر أن الواقع الفلسطيني كان ضعيفاً ببنيته العائلية العشائرية عن توليد حركات سياسية، لهذا كانت الأبواب مشرعة أمام الحركات ذات الطابع القومي والأممي لكي تدخل فلسطين وتستقطب إلى عضويتها الكثير من أبنائها.

لكن الحقيقة أن تأسيس فروع الإخوان في فلسطين؛ جاء في سياق التطور الطبيعي للحركة الوطنية الفلسطينية التي عكست توجهاً إسلامياً منذ مراحلها الأولى في مطلع العشرينيات، إضافة إلى اهتمامها بالعمق العربي والإسلامي؛ الذي تجلى واضحاً في المؤتمر الإسلامي الأول سنة 1931م في مدينة القدس.

لقد ترأس فرع جماعة الإخوان المسلمين في غزة الشيخ عمر صوان، وكان الحاج ظافر الشوا أميناً للسر، وحققت الجماعة انتشاراً واسعاً بين الفلسطينيين، وعملت جنباً إلى جنب ومن داخل الأطر التي أسسها المفتي الحاج أمين الحسيني، واتسمت مشاركتها في الحرب ضد المنظمات الصهيونية –إلى جانب قوى المتطوعين الأخرى من جيش الجهاد المقدس وجيش الإنقاذ- بالبطولة والفداء، لكنها من الناحية الاستراتيجية لم تكن مختلفة عن أداء القوى الأخرى؛ خاصة بعد دخول الجيوش العربية إلى فلسطين.


بعد النكبة أصبح قطاع غزة واقعاً تحت سيطرة الحكومة المصرية، وقد تأثر الإخوان المسلمون في قطاع غزة بالعلاقة السلبية التي سادت بين الإخوان في مصر وبين الحكومة المصرية، وفي هذا السياق انطبق قرار حل الجماعة في مصر سنة 1949م على الجماعة في غزة، والمثير في الأمر أن الإخوان لم يحتجوا ولم يعترضوا لا بالسلاح –وهم خارجون من حرب أبلوا فيها بلاءً حسناً- ولا بالوسائل السياسية، وكل ما حدث تمثّل في قيام الحاج ظافر الشوا بتأسيس جمعية جديدة أطلق عليها اسم (جمعية التوحيد)، وأخذ يمارس من خلالها نفس أنشطة الإخوان الدعوية والتربوية، لكن مع تغيير في الشكل.

وفي نقاش سبب عدم اعتراض الإخوان على قرار حل جماعتهم في غزة؛ ولجوئهم إلى طريق التفافي –من خلال تأسيس جمعية جديدة- يمكن القول إن جماعة الإخوان انطلقت منذ البداية للعمل بطريقة علنية، حتى العمل المقاوم ضد الصهيونية خلال الحرب كان عملاً علنياً، ولم تكن تمتلك أية خبرة في العمل السري، ويبدو أنها لم تكن ترغب في التوجه إليه.


بعد ثورة يوليو سنة 1952 شهد نشاط الإخوان ازدهاراً واضحاً، وفتحوا ثلاث عشرة شُعبة في قطاع غزة، وعملوا على نشر أفكارهم، وتقديم المساعدات للمحتاجين، خاصة ما عُرف باسم (قطار الرحمة) بالتنسيق مع الحكومة المصرية، وركزوا على العمل الطلابي في المدارس الثانوية.

أصبحت حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة من أكبر الحركات السياسية في منتصف الخمسينيات، ويمكن إرجاع أسباب التقدم للأسباب التالية: مساهمة الإخوان البطولية في حرب فلسطين، وإيمان الشعب الفلسطيني بالعمق العربي والإسلامي، إضافة إلى انهيار البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للشعب الفلسطيني بفعل النكبة؛ فقدم الإخوان للشعب الفلسطيني في الخمسينيات إحساساً عالياً بهويته الوطنية والإسلامية، الأمر الذي ساعد الشعب على التماسك والتوازن في ظل النكبة والمحنة.

وتعرّض الإخوان للمحنة والملاحقة مرة أخرى عندما أصدرت الحكومة المصرية قرار حل الجماعة في مصر عام 1954، وانطبق الأمر على قطاع غزة، فأُغلقت الشُعَب، وطورد الإخوان، وابتعدت أعداد كبيرة عن الجماعة. ويعزو الإخوان –حسب عبد الله أبو عزة في كتابه "مع الحركة الإسلامية في الأقطار العربية"- سبب ابتعاد الكثير من أعضاء الجماعة عنها إلى أن فترة الرخاء جعلت الكثيرين من الوصوليين وممن لم يحظوا بقدر كافٍ من التربية ينضمون للحركة؛ فعندما جاء الخوف تساقطوا وانفضوا من حولها، ويبدو أن هذا التفسير عام وسائد في أوساط حركة الإخوان؛ إذ تشتمل كتب فتحي يكن وسعيد حوى وغيرهم مثل هذا التفسير لعمليات تراجع وانفضاض الأفراد عن الحركة في بعض المراحل.

لكن السبب الحقيقي وراء ما حدث من انفضاض للجماهير والكثير من الكوادر والعناصر يتمثل في تغير الظروف، ووجود قيادة عربية تملك مشروعاً للوحدة، وتعد بتحرير فلسطين، وتتحكم في الواقع الغزّي، وربطت مصالح الناس بها، وفي نفس الوقت لم يتمكن الإخوان من تشكيل قطب تنجذب إليه الشرائح الاجتماعية المختلفة، هذا الأمر جعل الأرض تتحرك من تحت أقدام الإخوان، وعندما جاءت الضربة انفرط عقد الجماعة، حتى أن من تبقى متمسكاً بالفكرة لم يحتج ولم يعترض، وحاول امتصاص الضربة انتظاراً للحظة فرج.


يعتبر بعض الكُتّاب أن الإخوان لم يولوا العمل العسكري في هذه المرحلة أهمية كبيرة، لكن مصادر الإخوان تشير إلى أنهم أدركوا في تلك المرحلة أهمية العمل العسكري في التشويش على محاولات الصهاينة تثبيت وجودهم، وواصلت الحركة عمليات التدريب العسكري لعناصرها في الغابات، وأحياناً في معسكرات الجيش المصري عندما كان يتواجد فيها ضباط من عناصر جماعة الإخوان. وشكّل الإخوان في الخمسينيات مجموعتين عسكريتين هما (شباب الثأر) و (كتيبة الحق)، وقامت هذه المجموعات بعمليات فدائية أزعجت الاحتلال، وأحياناً أحرجت الحكومة المصرية؛ الأمر الذي دفعها لتشكيل مجموعات مصطفى حافظ، وانضم إلى المجموعة الأخيرة أعداد كبيرة من الشباب، ومارست أعمالاً عسكرية أوسع نطاقاً مما كان يقوم به الإخوان في تلك المرحلة.


بعد حل الجماعة سنة 1954، تقدم الإخوان بالاشتراك مع القوى السياسية الأخرى للحكومة المصرية بطلب للحصول على ترخيص لتأسيس نقابة (معلمي وكالة الغوث في قطاع غزة)، وبالفعل فقد حصلوا على الترخيص، لم يكن المقصود من مثل هذه النقابة متابعة حقوق الموظفين بقدر ما أراد الإخوان لافتة للعمل السياسي، وهذه هي المرة الثانية التي يلجأ الإخوان للتحايل على قرارات حل الجماعة وملاحقة عناصرها، من خلال إيجاد عنوان جديد يعملون من خلاله لتحقيق أهدافهم.

ومارس الإخوان العمل النقابي من خلال (رابطة الطلبة الفلسطينيين)، هذه الرابطة اهتمت بقضايا الطلاب ومصالحهم، لكن أهميتها تتمثل في أنها كانت واحدة من ثلاثة محاضن رئيسة نشأت فيها فكرة تنظيم حركة فتح؛ بالإضافة إلى غزة والكويت.

في الخمسينيات طُرح مشروع توطين اللاجئين في سيناء، وتوحّد الإخوان مع الشيوعيين في موقف مشترك من خلال نقابة معلمي وكالة الغوث، وخرجوا بمظاهرات أسفرت في النهاية عن إسقاط مشروع التوطين.


عندما قامت (إسرائيل) باحتلال قطاع غزة في إطار العدوان الثلاثي، بدأت القوى الفلسطينية تتواصل من أجل البدء في المقاومة، لكن التحالف مع الشيوعيين لم ينجح هذه المرة بسبب اعتبار الشيوعيين أن النضال يجب أن يوجه لإسقاط حكومة بن غوريون في تل أبيب، والتحالف مع الشرفاء اليهود، بينما رأى الإخوان أن كل الأحزاب السياسية في (إسرائيل) صهيونية يجب محاربتها، لكن نجح الإخوان في تشكيل (جبهة المقاومة الشعبية) بالتحالف مع القوميين، التي أصدرت بياناً دعا للوحدة والمقاومة، لكن فترة الاحتلال لم تطل، وغادر قبل أن تتمكن القوى السياسية من ترتيب حالة مقاومة فاعلة.

في أواخر فترة الاحتلال طُرح مشروع تدويل قطاع غزة، لكن القوى السياسية الفلسطينية بما فيها الإخوان رفضوا التدويل، وطالبوا بعودة الحكم المصري، حدث هذا رغم أن الإدارة المصرية قمعت الإخوان ولاحقتهم، وفعلت الأمر نفسه مع الشيوعيين، لكن الإخوان كغيرهم من القوى لم يتعاملوا بمنطق ثأري، بل كان جل اهتمامهم يتركز على إبعاد الاحتلال والأطراف الخارجية عن قطاع غزة؛ لأن التجربة مع الدول الأجنبية أثبتت أنها لا تخدم إلا الاحتلال الإسرائيلي.


بلغت حركة الإخوان ذروة مجدها في قطاع غزة في منتصف الخمسينيات، حيث فازت في انتخابات نقابة المعلمين وساهمت في إسقاط مشروعي التوطين والتدويل، وساهمت في العمل المسلح ضد الاحتلال؛ رغم الملاحقة والتهميش، وشهدت هذه الفترة تفاعلات متداخلة حيث تمكنت الحركة من تدريب وتعبئة أعداد كبيرة من الشباب ضد الاحتلال..

لكنها لم تستطع توفير الإطار المناسب لمواصلة العمل العسكري، وبقي التنظير الفكري إسلامياً عاماً رغم أن جهود الإخوان عملياً على الأرض كانت تسير باتجاه التمسك بالوطنية الفلسطينية والتضحية من أجلها؛ حيث تم التحالف مع الشيوعيين ضد التوطين ثم مع القوميين ضد الاحتلال، ثم تشارك الجميع في الاعتراض على مشروع التدويل.

هذه الجهود قلّلت من أهمية الأيديولوجيا في نظر النشطاء، وجعلتهم أكثر ميلاً للعمل الجبهوي المشترك من أجل فلسطين، حدث كل هذا في وقت كانت قيادة الإخوان ملاحقة، لهذا بقي التنظير الفكري على حاله، ولم يستطع مواكبة التغييرات الحادثة على الأرض، وفي هذه الأجواء نشأت حركة فتح، خاصة وأن العمل العلني تحت اسم الإخوان المسلمين لم يكن ممكناً بسبب الملاحقات الأمنية المصرية ضد عناصر ونشطاء الإخوان، واضطرار الغالبية العظمى من نشطاء الإخوان الذهاب للخليج بحثاً عن عمل، وعن مكان آمن بعيداً عن الملاحقة والمطاردة الأمنية.

*إعادة بناء تنظيم الإخوان في الستينيات
تمكن الإخوان المسلمون من إعادة بناء تنظيمهم سنة 1963م، وعقدوا أول اجتماع مجلس شورى يمثل الإخوان المسلمين الفلسطينيين لأول مرة في أرض زراعية تملكها عائلة أحد أعضاء الجماعة على شاطئ بحر خانيونس، وفي هذا الاجتماع أنهى الإخوان علاقتهم بحركة فتح بشكل كامل، وانتخبوا الأستاذ هاني بسيسو مراقباً عاماً للإخوان المسلمين الفلسطينيين..

ورغم أن الإخوان نظموا صفوفهم إلا أن حضورهم بقي ضعيفاً، وبقي النزيف مستمراً في جسد التنظيم داخل قطاع غزة إما بسبب الاعتقالات أو بسبب السفر للعمل في الخليج، وبعد موجة الملاحقات سنة 1965 وحتى سنة الاحتلال 1967 لم يبق من النشطاء الفاعلين داخل قطاع غزة إلا عدد لم يتجاوز عدد أصابع اليدين.

ملفات أخرى متعلفة