إقرأ المزيد <


شهر "مُحرّم"..بين "البدع" و"صالح الأعمال"!

غزة- إيمان عامر
منّ الله على عباده المسلمين بكثير من فرص رفع درجاتهم، فها هي أيام الطاعات تتوالى عليهم، فبعد انقضاء سلسلة من الأيام المباركة التي سبقته، تعيش الأمة الإسلامية في هذه الأيام في ظلال "شهر الله المحرم"، أول شهور السنة الهجرية، والذي يتميز عن بقية الأشهر بكثير من الأمور، ويحظى بالعديد من الفضائل، فما تلك الميزات؟ وما فرص المسلم الدينية التي وضعها الله أمامه في هذا الشهر؟وماذا عن البدع التي يختلقها البعض خلاله؟ د.بسام العف, عضو رابطة علماء فلسطين، أجاب في حوار مع "فلسطين" عن هذه التساؤلات، وتطرق إلى تفاصيل أخرى:


هو أحد الأشهر الحرم الأربعة: محرّم، ذو الحجة، ذو القعدة، ورجب، لقوله تعالى: "إن عدة الشهور عند الله اثني عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم"، مبيناً أن محرّم يختص بأنه الشهر الأكثر تحريماً من بين هذه الشهور، لذلك سمي بالشهر الأصم لشدة تحريمه، وقد افتُتح به السنة الهلالية، كما أنه يختص بانتسابه إلى الله، فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله المحرم.

وقال: "ومما يدلل على أهمية هذا الشهر، وشرفه وفضله إضافته إلى الله تعالى، فإن المولى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته كإضافة أنبيائه إلى عبوديته وكذلك بيته الحرام "الكعبة"، وناقته".

ولفت خلال حديثه عن هذا الشهر, إلى أن من فضائله العشر الأوائل منه، فقد قال عثمان بن النهدي: كانوا يعظمون ثلاث عشرات العشر الأخيرة من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من محرم، وقد قيل إنها العشر التي أتم الله بها ميقات موسى عليه السلام أربعين ليلة، وإن التكلم وقع عاشره، كما أنه روي عن وهب بن منية قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن مر قومك أن يتوبوا في أول عشر من محرم فإن كان اليوم العاشر فليخرجوا إلي أغفر لهم.


وعن فرص هذا الشهر الدينية، بين د.العف أن الفقهاء على استحباب الصيام فيه، لقول الرسول الكريم "أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم"، وهذا الحديث أصل في استحباب الصوم في شهر الله الحرام من بين الأشهر الحرم، لافتاً إلى اختصاص هذا الشهر بيوم عاشوراء وتاسوعاء، ولا خلاف بين الفقهاء في سنية صوم هذين اليومين، وهما اليوم العاشر والتاسع من المحرم...

والأصل في استحباب صومه, حديث ابن عباس رضي الله عنهما حينما قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا هذا يوم صالح، يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه" مدللاً على بقاء استحباب صيامه لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصوم يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان"، ومن المعلوم أن صحبة ابن عباس للنبي كانت في آخر حياته.


ويتضح ثواب صيام يوم عاشوراء حينما سئل عن صومه، فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله"، أي يكفر الصغائر، أما الكبائر فلا تكفرها إلا التوبة.

وأما عن صوم يوم تاسوعاء، وحكمه، فأضاف د.العف, عضو رابطة علماء فلسطين: "النبي صلى الله عليه وسلم قال: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"، مشيراً إلى أن الحكمة من استحباب صيام تاسوعاء هي مخالفة اليهود في اقتصارهم على صيام العاشر، لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً"، في حين أن بعض العلماء استحبوا صوم الحادي عشر إن لم يصم المرء التاسع، ومنهم من قال باستحباب صوم التاسع والعاشر والحادي عشر، "ولا بأس بصيام يوم عاشوراء منفرداً إن وافق يوم الجمعة أو السبت، لأن الصوم المندوب إليه شرعاً لا يترك لموافقته يوماً يكره أن يفرد بالصيام".

ولا تقتصر الأحكام الشرعية المختصة بيوم عاشوراء على الصيام فيه، فقد ندب بعض الفقهاء في هذا اليوم التوسعة على الأهل والعيال واستندوا إلى ذلك في حديث فيه ضعف وهو مروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته"، وقال ابن عيينة "قد جربناه منذ خمسين سنة أو ستين فما رأينا إلا خيراً".


وحذّر د.العف مما يحدث في بعض البلاد من الاحتفال في هذا اليوم وليلته وجعله موسماً من المواسم أو عيداً من الأعياد والاكتحال أو الاختضاب استعداداً له، فلم يصح في ذلك حديث، مؤكداً أنه لا يجوز الاعتماد على الأحاديث الموضوعة أو جعلها مدركاً لمثل هذه الأعمال، لأنها تدخل ضمن العبادات، في حين أن الأصل في العبادة الحظر ما لم يصح دليل بالإذن فيها، حتى لا يشرع الناس في دين الله ما لم يأذن به، لأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

وأوضح أنه لا يجوز اتخاذ هذا اليوم مأتماً كما تفعله بعض الفرق لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، لأن الله لم يأمر رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً، وأردف بالقول: "فكيف بمن دونهم؟، فهذا عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً".

ملفات أخرى متعلفة