إقرأ المزيد <


من الذي يفقد الخيارات؟

جمال أبو عامر
أحد ١٢ ١٢ / ٢٠١٠
ليس غريباً أن يتساءل السياسيون والمحللون والمفكرون بعد 23 عاماً من انطلاقة حماس، وبعد 5 سنوات من الحكم، وبعد عامين من عدوان ديسمبر2008 في مثل هذه الأوضاع الصعبة عن خيارات حماس؟ البعض يعتقد أن خيارات حماس أصبحت معدومة, وأنها وصلت إلى طريق مسدود، فالحصار محكم والاقتصاد متردٍ والمقاطعة السياسية شاملة، والصورة بمجملها صعبة ومعقدة.

وعلى من ينبري للإجابة عن هذا السؤال ألَّا يرى الصورة الصغيرة، بل عليه أن ينظر للصورة الكبيرة التي تحتوي داخل إطارها حماس بالإضافة إلى اللاعبين الأساسيين المحليين والإقليميين والدوليين، الذين لهم تأثير كبير في تحديد الإجابة عن هذا السؤال. فما هي أحوال كل من فتح و(إسرائيل) ومصر والولايات المتحدة الأميركية؟

أولاً فتح: المشروع الذي تحمله فتح لفظ أنفاسه الأخيرة ولم يعد هناك مبرر للوجود, وتبدو فتح بمستوياتها ورئيسها في أضعف الحالات على المستوى التنظيمي، غير قادرة على أي خطوة في أي اتجاه في ظل صراعات وتجاذبات غير خافية، والمجلس المركزي خاضع للمزاج الشخصي والمناكفات غير الوطنية، غابت المؤسسات وفُقدت الرؤية وتاهت البوصلة. خيارات فتح نفدت فعلاً، وخيار قيادتها الوحيد الارتهان إلى مصالح شخصية بغطاء يسمونه عملية التسوية، التي هي مثل خط الأفق، كلما اقتربت منه زاد ابتعادًا.

وعلى الرغم من ذلك تزداد قيادة فتح تشبثًا في مشروع التسوية، وهذا ربما يفسر التشدد الرسمي أحيانًا أكثر من الإسرائيليين في حصار قطاع غزة, واستمرار حرب الاستئصال في الضفة الغربية, وتعطيل جهود المصالحة. قيادة فتح الرسمية تعيش معركة فقدان الوجود, وبدأت تفقد البعد الوطني والتحرري وكذلك باتت مكشوفة أخلاقياً، والمفارقة أن السبب في بقاء فتح كتنظيم موجود على الساحة هو عداوتها لحماس، وسخَّرت كثير من القوى العربية والأجنبية الدعم لفتح من أجل هذه الغاية فقط على مستويات عدة، وكذلك اعتبار حماس فتح ندًا لها يساهم في منح قيادة فتح فرصة إضافية.

ثانيًا مصر: يَعُدّ الشعب المصري باعتراف قادته السياسيين أن قضية فلسطين وقطاع غزة بالتحديد هي قضية داخلية مصرية، بحكم عوامل كثيرة تربط الشعبين الشقيقين، مما لا يمنح الفرصة لأي تحرك سلبي علني تجاه الشعب الفلسطيني، ومما يضعف الموقف المصري السطوة الأمريكية الصهيونية التي تضرب الأمن القومي المصري في عمقه الاستراتيجي، مما يجعل القرار المصري مرهوناً "بتوقعات" وزارة الخارجية الأمريكية، بالإضافة إلى أن الأوضاع الداخلية متأزمة وقد تنفجر, وهذا ما تجتمع عليه كل قوى المعارضة. إضافة لهذا البعد الداخلي، مصر زعيمة الدول العربية تفقد مكانها في المنطقة العربية خصوصاً في عمق وادي النيل, وكذلك في الجانب الفلسطيني الذي هو خط دفاع قوي جداً لأمنها القومي.

ثالثًا الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا: نعم أمريكا إمبراطورية قوية لا تزال تستطيع خوض حروب ضخمة في العراق وأفغانستان ولكنها تتآكل على كل المستويات، فقد هربت من العراق وتسعى لإنهاء وجودها في أفغانستان، واستنادًا لآخر استطلاع رأي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية في القارات الست، تُعد الولايات المتحدة الأميريكية الدولة الأكثر كرهاً على مستوى شعوب العالم أجمع، وذلك بالطبع عائد لما انتهجته من سياسات خارجية في السنوات الأخيرة، وقد امتدت هذه الصورة الكريهة لتملك حتى عقول كثير من الأمريكيين، وتبدو كإمبراطورية الشر أو الدولة المارقة كما وصفها أحد الكتاب الأمريكيين.

لتصبح سمعتها الأخلاقية التي جاهدت سنوات طويلة لتصقلها تنهار، قد يبدو هذا غير مألوف ولكن الأمريكيين لم يعودوا يشعرون بالفخر لكونهم أمريكيين، وهذا يؤثر بشكل كبير على السياسات الخارجية، ومما يضعف سياستها الخارجية هو توالي النكسات العسكرية في العراق وأفغانستان وجورجيا والصومال وانهيار مشاريعها السياسية التي كان آخر ما سجلته في لبنان وقبله فلسطين. وإن ذكرنا الاقتصاد فقد أوضح الاقتصاديون الأمريكيون أن دولتهم في ركود اقتصادي لم يألفوه من قبل على الإطلاق في ظل تضخم الأسعار والعلاقات التجارية السيئة مع كل شركائها التجاريين تقريبًا، كل هذا يفقد الولايات المتحدة كثيرًا من هيبتها وقوتها.

بالنسبة لأوروبا فقد سيطرت عليه الإسلاموفوبيا, وارتهن قرار الاتحاد الأوروبي السياسي بالولايات المتحدة الأميريكية التي تستغل ذلك استغلالاً سيئًا بالفعل، فلا يبدو أن أوروبا من المؤثرين حتى على المدى القريب.

رابعًا (إسرائيل): على الرغم من قوة (إسرائيل) الظاهرة، إلا أنها لا تزال تشعر بعقدة النقص في شرعيتها، ولا تزال تشعر أنها دولة سارقة مغتصبة, وكل صكوك الشرعية المزعومة لم تمنحها الشعور بالاستقرار.

فلا يذكر التاريخ أن دولة أقامت الدنيا وأقعدتها في ذكرى تأسيسها حتى المئوية، وحرق حريق الكرمل وهم الجاهزية، وينبغي أن نعلم أنه كلما زاد تقدم الدولة وزادت رفاهية الفرد فيها بالمقابل تزيد حساسيتها للخدش، ولذلك توظف (إسرائيل) الكثير من التكنولوجيا لئلا تلجأ إلى مواجهة مباشرة، وللتوضيح أكثر، يجب أن نسأل سؤالاً بسيطاً: إن (إسرائيل) لديها القدرة التقليدية للقضاء على حماس في قطاع غزة، فلماذا لا تقوم بذلك؟ وكيف يمكن أن تقبل (إسرائيل) مجرد مناقشة تهدئة مع حماس وإن كانت غير معلنة، في حين أن (إسرائيل) تهدد إيران بمسحها عن الخارطة؟

إن مجرد قبول (إسرائيل) بالتهدئة مع حماس هو ما يَعدّه كثير من المفكرين الإسرائيليين تنازلاً استراتيجياً، سيدفع إلى تنازلات أكبر في المستقبل، فـ(إسرائيل) هشة كثيرًا هذه الأيام, تعيش غياب القيادة والتردد القاتل وغلبة الحزبية, علاوة على ملفات الفساد المتراكمة والتي مست كل رموز القيادة الإسرائيلية.

حماس اليوم التي تخوض معركة الصمود لا معركة الوجود, والتي تملك المشروع القائد للقضية الفلسطينية في ظل انهيار المشاريع الأخرى كافة, ما زال لديها مساحات للمناورة, وما زال لديها الخيارات التي يمكن أن تشكل عاملاً فارقًا في المعادلة, ولكن التحدي هو في إدارة هذه الخيارات ومعرفة كيفية إيجاد الظروف والأجواء لجعلها واقعاً في الساحة السياسية.

ملفات أخرى متعلفة