إقرأ المزيد <


تاريخنا.. بين معتقل ومحقق (2)

شعر المحقق أنه للجولة الأولى قد خسر، ففكر وقدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، وقال: إنْ هذه إلا أرضنا المقدسة، التي منحها الرب لنا، فقد خاطب أبانا إبراهيم في التوراة قائلاً:" لنَِسْلِك أعطي هذه الأرض"، ونحن نسله، وورد في القرآن قول موسى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}.

فهذه الأرض كتبها الله لنا كما يذكر قرآنكم، فلماذا تدَّعون أنها أرضكم، وتخالفون كتابنا وكتابكم؟! ثم إن أنبياءنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب قد عاشوا ودفنوا فيها، وكذلك داود وسليمان اللذان أقاما فيها مملكة يهودية عظيمة. ألستم تظلمون عندما تدعون أنها أرضكم، وتطالبوننا بالخروج من الأرض التي كتبها الله لنا؟. أجاب المعتقل بطمأنينة وثقة قائلاً: نحن على يقين أن فلسطين أرضنا، وأرض أجدادنا، وأنكم غرباء عنها، مغتصبون لها، وسوف أبرهن لك على صحة ذلك:

أولاً: أول من سكن فلسطين واستقر فيها هم الكنعانيون والعموريون واليبوسيون والفينيقيون، وهؤلاء أجداد الفلسطينيين، وقد قدموا إليها من جزيرة العرب حوالي عام 2500ق.م، وأقدم اسم عرفته فلسطين هو "أرض كنعان" لأن أكثر الشعوب المهاجرة إليها هم الكنعانيون.

ثانياً: بنى أجدادنا الكنعانيون في فلسطين في الألف الثاني قبل الميلاد نحو مائتي مدينة, وقد أتموا بناء هذه المدن قبل وصول العبرانيين إلى فلسطين بمئات السنين, ومن هذه المدن أريحا وغزة ونابلس وبيسان وعسقلان وغيرها. كما بنى أجدادنا اليبوسيون مدينة القدس، وسموها يبوس، ثم أطلقوا عليها اسم "أور سالم"، أي مدينة سالم، نسبة إلى جدنا سالم الذي كان أحد حكامها. وأنتم تقرون بذلك إذ تطلقون عليها إلى الآن اسمه، فتسمونها "أورشاليم".

ثالثاً: استشهادك بنص التوراة " لنَسْلِكَ أعطي هذه الأرض" حجة وبرهان على أن فلسطين لنا وليست لكم. فنحن العرب المسلمون أبناء إبراهيم من ولده إسماعيل ونحن نسله، وما زالت كثير من العائلات العربية تحتفظ بسلسلة نسبها التي توصلها في النهاية إلى إسماعيل وإبراهيم، أما أنتم، فقد ضاعت أنسابكم، ولم يعد لها أي صلة بإبراهيم، وذلك لأن أحباركم جعلوا الرجل ينسب إلى أمه، فاليهودي المنتسب إلى نسل إبراهيم في نظركم هو من كانت أمه يهودية، بغض النظر عن نسب أبيه ودينه، هذا إضافة إلى أن الملايين منكم يرجعون إلى أصول خزرية قوقازية، لا علاقة لها بإبراهيم. ولو سألت أي يهودي عن نسبه، فسوف يتبين أن في سلسلة أجداده، الإنجليزي أو الفرنسي أو البلجيكي، وهؤلاء ليست لهم أية علاقة بنسب إبراهيم، لكنهم تزوجوا من يهودية، فاعتبر أولادهم يهوداً ونسبوا زوراً إلى إبراهيم.

رابعاً:إن القرآن الكريم الذي استشهدت به يسوق الكثير من الحجج التي تبين أن الله تعالى حرم عليكم هذه الأرض المقدسة بسبب كفركم، ورفضكم أمر نبي الله موسى- عليه السلام- بدخولها، فقال سبحانه:{ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}. والتحريم هنا حكم مطلق، أما التيه فهو المحدد بأربعين سنة.

خامساً: إن ما تدعونه من حق وعهد لكم بهذه الأرض ساقط بسبب ظلمكم، يؤكد هذا قول الله تعالى:" {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. وأي ظلم أكبر من الشرك بالله؟!، وقد أشركتم عندما قلتم:{عزير ابن الله}، إن الذي يستحق وراثة هذه الأرض المقدسة من أبناء إبراهيم، والإمامة عليها، هم فقط أبناؤه المسلمون المؤمنون، لأن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً بل كان حنيفاً مسلماً.

سادساً: إن الأنبياء جميعاً مسلمون موحدون، فقد كان يعقوب مسلماً،{ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. وكان سليمان مسلماً، وقد دعا ملكة سبأ إلى الإسلام{ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}. وعندما قررت الدخول في دينه قالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

وإن المملكة التي أسسها داود في هذه الأرض، ووسعها ولده سليمان هي مملكة إسلامية، وليست يهودية كما تدعون، وإن كل أثر للأنبياء عليها هو أثر وتراث إسلامي نحن أصحابه، والأولى به، لأننا نحن المسلمون، أما أنتم فقد ابتعدتم عن عقيدة التوحيد، بل لقد زورتم التوراة، وملأتموها بالطعن على أنبيائكم، واتهمتموهم بالغش والسرقة والزنا والكذب والرشوة. بُهِت المحقق، ولم يجد ما يقوله، فتلا المعتقل قول الله تعالى:{ فبُهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين}.

ملفات أخرى متعلفة