إقرأ المزيد <


في صورةٍ أقرب للتسوُّل..

الباعةُ الأطفال..براءةٌ سحقتها معمعة الطُرقات!

غزة- محمد المنيراوي
تراهم في كل مكان.. في الشوارع والطرقات وأزقة البيوت المتلاصقة.. أمام المستشفيات وأبواب العيادات.. يغتنمون فرصة توقف السيارات المحتشدة أمام إشارة المرور الحمراء لبيع بضاعتهم.. علامات البؤس تبدو جلية على وجوههم المغبرة.. لا يملكون أمام قسوة الحياة إلا إهدار براءتهم على أعتاب المشترين الذين غالباً ما يكونون مكفهري الوجوه ازدراءً..

أولئك هم "الأطفال المتجولون" لجلب قوتٍ مغموس بحسرةٍ على سنين من العمر فارقت براءتها قبل أوانها، في طرقاتٍ حفظت بصمات وجوههم العبوسة المسودة بشقاء الحياة وعنتها.. لتقاسمهم "فلسطين" على صدر صفحاتها "عيشهم وملحهم" المختلط بلوعة العناء والشقاء.. لورود لم يكتمل إزهارها..!


وجهاهما كانا مصبوغين بحمرة الخجل.. تغطي وجنتيهما براءة الطفولة التي تأمل بحياة كريمة.. نظراتهما الحائرة تترجم ما في صدريهما من حياة بائسة.. لكن ألسنتهما لم تلوكا شيئاً غير شق الأنفس.

فالطفلتان "زهرة وياسمين حيدر" كانتا كتوأمين" في شكليهما، لكن الفارق أن "زهرة" البالغة من العمر "أحد عشر عاما" كانت تفوق شقيقتها بعامين فقط.. كلتاهما دفع بهم وضع عائلتهما المأساوي للخروج إلى الشارع في عمر مبكر لبيع سلع صغيرة تتناسب مع براءة طفولتهما.

وقفت "زهرة" إلى جانب "ياسمين" في صورة بائسة تأمرها الذهاب لبيع ما معها من "علكة وسكاكر وبسكويت" للسيارات المتوقفة أمام شارة المرور الحمراء التي أضاءت للتو، كانت تقول لها: "روحي يختي بيعي هيها أجتك الرزقة".. لتحيل نظرها إليَّ بعينين تتحدثان عما يجول في خاطرها الممتلئ إلا من "السعادة"..!

فزهرة وشقيقتها عرفتا شوارع غزة منذ عام وهن يتجولن فيها لبيع ما بوسعهما بيعه من سلع تناسب أنوثتهن لمن يلحقن به وهن يلححن عليه بالشراء، في صورة هي أقرب إلى التسول منها إلى البيع.


وقد كانت لوفاة والدهما قبل ثلاثة أعوام وعدم وجود أشقاء ذكور لهن غير "مؤمن" الذي يفوق عمر "زهرة" بعامين، الأثر الكبير في دفع والدتهما لهن للبيع، لسد رمق العائلة وشراء ما تحتاج بنفسها دونما إهدار لكرامتهم وسؤال الغير.

فـ"زهرة وياسمين" تبدآن عملهما بعد العودة من مدرستيهما في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً وتبقيان على حاليهما حتى الساعة الثامنة مساء ليعدن إلى البيت منهكتين تكفكف كل واحدة منهن دموعها من شدة الإعياء، وهي تقلب شواكل معدودة بين يديها لا تكفي مصروفا للعائلة في اليوم التالي.

أما مؤمن -كما تحدثنا زهرة- فهو الآخر أخذ على عاتقه بيع بعض السلع في عدة شوارع من مدينة غزة للمساهمة في جمع لقمة العيش، غير أن كل ما يؤلم "زهرة" وأشقاءها هو ذلك التعامل الفظ من قبل المشترين، والنظر إليهم وكأنهم متسولون دون أدنى رأفة بحالهم.

وفي أحيان كثيرة حصل أن بعض المشترين وخاصة الإناث، يدفعون ثمن السلعة لـ"زهرة وياسمين" مضاعفاً في سبيل أنها صدقة غير مباشرة، لكي لا يتعود الأطفال على ذلك.

علامات الألم بدت واضحة على قسمات جبين "ياسمين الشقراء" التي لم تبقَ صامتة، بل قالت بكلمات حارة:" ما ذنبنا أن نعمل في هذه السن من أجل عائلتنا.. فحياتنا أصحت قاسية.. من المدرسة إلى العمل ومن العمل إلى المدرسة.. يا ريت أموت وأتريح من هالحياة..!".


أما الطفل موسى بصل (15 عاما) فقد كان يقف إلى جانب السيارات والمارة وهو يحمل بين يديه عدة أنواع من السلع.. منها المفيد كالعلكة وأنواع من البسكويت ومنها النقيض تماما.. علب من السجائر وأعواد الثقاب.. يبدأ يومه من أول النهار تحت أشعة الشمس الحارقة وهو يمسح قطرات العرق من على جبينه، إلى صلاة العشاء، حيث يذهب إلى والده لإعطائه ما تم جمعه من تلك المهنة.

لم تعد المدرسة ولا الدراسة بكافة أشكالها من الأولويات على قائمة الطفولة التي فقدت أبجدياتها لدى "موسى"، فقد كان تَرْكُ المدرسةِ في هذه السن الخيار الأمثل له من أجل أسرته التي لم يبق أمامها إلا أن تستغل أحد أطفالها ليصبح المعيل لأسرة أصبح ربها طاعنا في العمر لا حول له ولا قوة.

هندام موسى الرث، ووجهه الضعيف المتشح بالسواد كان يظهر جليا حالة البؤس التي وصل إليها في مهنته ، وهو يهدر سنوات عمره دون حسيب أو رقيب.

يقول "موسى" وهو يعدّ ما جمع من نقود:" تركت دراستي رغم تفوقي لأتفرغ لهذا العمل، خاصة وأن أبي عاطل عن العمل منذ بدء الانتفاضة، إضافة إلى أنه كبير في السن لا يقدر على العمل.. فكان لابد من أن أكون رجل البيت لأطعم أفراد أسرتي، فليس لدينا مصدر دخل إلا أنا وبعض المساعدات من الجمعيات الخيرية".

وعادة ما يتناول "موسى" طعامه في الطرقات والشوارع بوجبة سريعة لا تفوق تكلفتها "شيقلين" طوال اليوم.. أما حمامات المساجد أقرب مكانٍ لقضاء حاجته.

وبابتسامةٍ يضيف:" أعرف أن الحياة صعبة جدا لكنني تفرغت لها من أجل أسرتي، ولا بد أن أجلب لها قوت يومها، رغم كل المضايقات من قبل الناس أو الشرطة التي تلاحقنا بحجة أننا متسولون، وتفرض علينا غرامات مالية باهظة لعدم العمل في مهنتنا تلك".


مسؤولية ثقيلة ألقيت على عاتق حاتم يوسف (14 عاما)، حيث إحساسه بأنه أصبح رجلاً قد نما داخله قبل الأوان.. فهو وإن كان يشكو قسوة المهنة إلا أنه فضل البيع في الطرقات هروبا من الواقع الذي تعيشه أسرته التي لا تملك أي معيل لها سواه.. فوالده الثمانيني مصاب بالشلل، وهو الوحيد بين أخواته الثلاثة.

حاتم ترك المدرسة منذ الصف السادس الابتدائي.. وبدأ العمل في ورش النجارة والحدادة بأجور متدنية أجبرته على تركها والذهاب إلى شراء عدد من السلع الخفيفة لبيعها بنفسه.

وبالرغم من عزة النفس الكامنة داخل حاتم إلا أنها لم تُفلِح في منع دموعه من النزول بكاءً على حاله، فقد كان ينتظر مستقبلا ذهب أدراج الرياح حينما أُجبر على ترك الدراسة، حينما كان يحلم بأن يكمل دراسته الجامعية ويصبح رجلا مرموقاً يجلب قوت أسرته من وظيفة محترمة، لكن ذلك الحلم سرعان ما تبدد في طرقات غزة التي عرفت "حاتم" بأنه البائع الذي يسير في شوارعها عشرات الكيلو مترات كل يوم لبيع ما ملكته يمينه.

وسرد "حاتم" جانباً من مأساة حياته، قائلا:" لا أعرف في هذه الحياة إلا الطرقات والأزقة وأبواب المنازل لأبيع ما بحوزتي من سلع، ولكي لا أمد يدي للناس، بل علي أن أحفظ ماء وجهي على الأقل أمام زملائي وأعلمهم أنني أحصل على لقمة عيشي بجهدي وعنائي".

ويرفض "حاتم" في أحيان كثيرة أن يكون متسولا غير مباشر، فما يكون منه إلا أن يرد رجلا جاء ليعطيه مبلغا من النقود دون مقابل أو شراء مما يحمله بين يديه.. لكن في أحيان أخرى يُجبره المتصدق على ذلك بعدما يأخذ منه كل ما بين يديه من سلع ويغادر وقد أعطاه ثمنها مضاعفا.


مدير التدريب والتوعية في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان المحامي صلاح عبد العاطي، أكد أن قضية عمالة الأطفال قضية عالمية وأنها تنتشر بشكل كبير في دول العالم الثالث، مرجعاً ظهورها لأسباب اقتصادية تؤدي إلى عجز الأسرة عن تقديم متطلبات الحياة الكريمة لذاتها ولأبنائها، إضافة إلى غياب نظام الحماية الاجتماعية.

وأوضح عبد العاطي أن قطاع غزة بشكل خاص يشهد حصاراً إسرائيلياً مشدداً وعقوبات جماعية منذ أربعة أعوام متواصلة تسببت جميعها بفقدان فرص العمل، وتراجع مؤشرات الحياة الاقتصادية، وزيادة نسب الفقر والبطالة في المجتمع الفلسطيني، إلى جانب حالة الانقسام السياسي الذي أضعف قدرة النظام السياسي على التصدي للمشكلات التي تنتشر في المجتمع الفلسطيني وعلى رأسها الفقر والبطالة وعمالة الأطفال؛ نتيجة غياب الاستراتيجيات التنموية الموحدة والخطط والدور الحكومي الواضح.

وبين أن ذلك كله يؤدي إلى تراجع قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الفئات الاجتماعية وخاصة الأطفال الذين لجؤوا للعمل بسبب حالة البطالة والفقر التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، مشيراً إلى أن نسبتها في القطاع تصل إلى "80 %"، فيما تعيش "60%" من الأسر الفلسطينية على المساعدات الخارجية، إضافة إلى أن نسبة البطالة ترتفع بين أوساط الأطفال إلى "46%".

كما أوضح عبد العاطي أن انتشار حالة البطالة والفقر بين المواطنين بشكل كبير دفع الأهالي إلى استسهال عمل أطفالهم في بيع السلع الخفيفة في الشوارع التي هي أقرب إلى التسول منها إلى العمل؛ لسد رمق عائلاتهم.

وذكر أن لعمل الأطفال خطراً على مستقبلهم نتيجة تسربهم بشكل كبير من المدارس الأمر الذي يؤدي إلى انحرافهم، وفقدانهم لطفولتهم وحقهم في اللعب والترفيه والتمتع بجملة حقوقهم المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، وقانون الطفل الفلسطيني لسنة 2004.

وأفاد أن قانون العمل الفلسطيني يحدد السن المسموح له بالعمل فوق الثماني عشرة سنة، وأن ما دون تلك السن فإنه يصنف ضمن عمل أطفال، مشيراً إلى أن قانون العمل حدد شروطاً لعمل الأطفال من ضمنها ألا يعملوا بمهن خطرة وشاقة، وأن يعملوا في أعمال تتناسب مع قدراتهم وبعدد بساعات عمل أقل.

وقال عبد العاطي:" للأسف لا نرى ضوابط للقانون، بل هناك تغييب لدور دائرة التفتيش العمالي في وزارة العمل، إضافة إلى غياب دور المؤسسات الاجتماعية الكفيلة بالقضاء على هذه الظاهرة من خلال توفير الحماية الاجتماعية"، منوهاً إلى أن دور المؤسسات الحقوقية هو التوعية بمخاطر هذه الظاهرة.


ونوه إلى أنهم كحقوقيين يوصون دائما بـ" تفعيل دور دائرة التفتيش العملي في وزارة العمل، وضمان توفير الحق الاجتماعي للأهالي والأسر الفقيرة من خلال ضمان توفير صندوق للضمان الاجتماعي أو من خلال توفير مساعدات واضحة وكافية لتلك الأسر، إلى جانب إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال وإعادتهم إلى المدارس ومتابعتهم للتخلص من هذه الظاهرة أو الحد منها".

وأكد أن مسؤولية الأطفال العاملين تقع على عاتق السلطة الفلسطينية، موضحاً أنه من الواجب عليها القيام بدورها في تأمين الحق في العمل، وتوفير فرص الحماية للأطفال، وتوفير صندوق للضمان الاجتماعي ومشاريع حماية للأطفال لكي تستطيع السيطرة على ذلك.

وطالب المحامي عبد العاطي المجتمع الدولي بالنظر بشكل جدي للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في الأراضي الفلسطينية، وعلى رأسها انتهاك حقوق الطفل وغياب قواعد الأمن والسلامة للأطفال وانتشار الفقر والبطالة بسبب الاحتلال، والمساهمة في مساندة الشعب الفلسطيني ونضاله العادل من أجل الحرية، ومساندة أطفاله عبر توفير مشاريع تنموية لدعم حقوقهم.

كما دعا الفلسطينيين لإنهاء حالة الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية تكفل شراكة الجميع ليكون له القدرة على التصدي لمشكلات الفئات الاجتماعية المختلفة، وعلى رأسها دعم قضية القطاع الطفولي وحمايته من خلال توفير المشاريع والأنشطة والبرامج والاستراتيجيات الكفيلة بالرد على الظواهر السلبية في المجتمع الفلسطيني.

ملفات أخرى متعلفة