إقرأ المزيد <


الشيخ كشك رجل بأمة

أربعة عشر عاماً مرت على وفاة الداعية عبد الحميد كشك "رحمه الله" رحمةً واسعة، هذا الرجل الذي أخذ على عاتقه حمل الدعوة الإسلامية في أوقات عصيبة مرت بها الدعوة إلى الله ، خاصة تلك الفترة التي غيب فيها قادة الإخوان المسلمين في السجون ، وواجه وحده الظلم والبغي الذي مارسته الأجهزة الأمنية بحق الدعاة إلى الله, حتى وصل الأمر إلى إعدام عدد من العلماء والدعاة البارزين وعلى رأسهم الإمام سيد قطب.

الداعية عبد الحميد كشك يعود له الفضل (من وجهة نظري) إلى إحياء الثقافة الإسلامية ونشر الوعي الديني من خلال خطبه ودروسه الدينية وكتبه التي ملأت الأسواق والمكتبات بأسلوبها المبسط والتي تتلاءم مع العصر الحديث ومثلت مدرسة أطلق عليها مدرسة الشيخ كشك، وزاد في انتشار الدعوة إلى الله تكنولوجيا الاتصالات ، والتي كانت في أول عهدها من خلال أشرطة الكاسيت، والتي انتشرت بشكل كبير جداً وهي تحمل دروس وخطب الإمام عبد الحميد كشك, فكان لها الفضل في هذا المد الإسلامي الذي نعيش أيامه وإعادة الروح إلى المنهج الإسلامي والثقافة الإسلامية والتي كان يخطط لها الغياب ويسعى العالم الغربي بمساعدة بعض الزعماء العرب إلى القضاء عليها من خلال نشر الأفكار والثقافة الغربية المنحلة وإحلالها محل الثقافة الإسلامية.

وما زلنا نتعرض لحرب ثقافية وتغريبية تقودها أمريكا عبر ما يسمى بنظام العولمة , وهو العمل على سيطرة ثقافة الغرب الصليبي لتحل محل ثقافات الشعوب المختلفة وتحديدا الثقافة الإسلامية التي ترى فيها أمريكا أنها تشكل التحدي الأول لها في السيطرة والهيمنة على العالم عبر نشر ثقافة الانحلال وتتفيه ثقافات الأمم واتهامها بالعجز وأنها سبب التخلف الذي تعيش فيه هذه الأمة، وإظهار الثقافة الغربية الصليبية على أنها سبب الحضارة والتقدم.

أدرك الشيخ كشك والدعاة إلى الله الأهداف الأمريكية الغربية وانبرى في الدفاع عن الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي وعمل على إعداد جيل رباني قادر على إكمال المشوار، فبات الشيخ كشك عَلماً يشار له بالبنان وانتشر في ربوع العالم العربي حتى بات لا يخلو بيت من بيوت المسلمين إلا وفيه أشرطة الشيخ كشك والتي شكلت الانطلاقة نحو إحياء الثقافة الدينية والعودة إلى الله بعد أن شملت هذه الخطب والدروس على كل أشكال الفقه الإسلامي والسياسي والمجتمعي، وتحدث الشيخ عبد الحميد في كل القضايا وأبدع فيها بطريقة ملفتة للنظر.

لم يعمل الشيخ كشك رحمه الله في بيئة مريحة وأجواء مهيأة، بل واجه الاعتقال والملاحقة والمنع، والإقامة الجبرية، وتحدى كل الإجراءات التي مارسها الأمن المصري بحقه وعلا صوته عاليا وبات أقوى وأعلى من كل الإجراءات البوليسية والقمعية التي تعرض لها، وهذا فيه الدرس والعبرة لكل من حمل الدعوة إلى الله، وإحياء دينه في نفوس الناس ونشر القيم والمبادئ الإسلامية، أن يعد نفسه لمواجهة العقبات والملاحقات والاعتقال، وان يدرك انه يعمل في حقل من الأشواك متعددة الأشكال والأنواع وفي كافة المستويات، ويوطن نفسه على انه سيتعرض للنقد والتشكيك والنهش من قبل كلاب العلمانية واليسارية واللا دين، إضافة إلى دعاة التنصير و(مهاويس) الغرب.

صمود وصبر وتحمل الشيخ المرحوم كشك لوحده مدرسة لمن يريد أن يسلك طريق الدعوة إلى الله، لأن الدعاة المخلصين سيواجهون العقبات أولا من العالم الغربي الذي يريد أن يسيطر على العالم ويحتله ثقافيا بعد فشل الاحتلال العسكري أو المادي، لأن أول الهزائم هي هزيمة النفس وهزيمة الثقافة والتاريخ والحضارة ومحاولة التغريب وفرض ثقافة المحتل لتحل محل الثقافات الأصيلة للمجتمعات صاحبة الحضارة العريقة كالحضارة الإسلامية، وستتحرك في مقابل ذلك أدوات النظام العالمي من زعماء ورؤساء لتلك النظم لتنفيذ سياسات الغرب بعد إرهاب وترهيب هذه الزعامات وزرع الخوف في نفوسها من عودة الروح إلى الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية.

رحمة الله عليك شيخنا ومعلمنا, فهو من أوائل من مهد لنا الطريق للعودة في العصر الحديث إلى دين الله بعد الضلال والجهل الذي كنا غارقين فيه، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يثيبك عنا وعن الأمة خير الثواب وأن يجعل الجنة مكانك ومثواك.

ملفات أخرى متعلفة