شهادات ضباط وجنود الاحتلال الميدانية بنكهة سياسية

عبد الله العقاد
الثلاثاء ٠٧ ٠٧ / ٢٠١٥
(1)
تدافعت في الآونة الأخيرة سيول من الشهادات الجديدة لضباط وجنود الاحتلال، بعد أن أرخت قبضة مقص الرقيب لتظهر شيئًا من حقيقة المعارك التي دارت على تخوم قطاع غزة.

ففي إحدى تلك الشهادات تذكر جانباً من ملحمة الشجاعية، فتروي ما دار في خمس ساعات عاشها الجنود الأغرار في جحيم تلظَّى.. فمع اقتراب الذكرى السنوية الأولى للحرب المجنونة على قطاع غزة، أجرت إحدى الصحف الصهيونية "معاريف" لقاءً مع قادة كتيبة الاستطلاع في لواء "جولاني"، الذي اشترك في الاشتباكات بحي الشجاعية شرق غزة.

(2)
يروي قائد الكتيبة تلك ما واجههم من مفاجآت عندما دخلت قوات من جيش الاحتلال البرية مشارف أحياء الشجاعية والتفاح شرق مدينة غزة ليلة 20 يوليو 2014، وما جابهتهم به المقاومة من قتال أذهل المُهاجمين المعتدين، وما أدت به إلى مقتل عدد من الجنود الصهاينة وإصابة آخرين، وأسرت كتائب القسام الجندي "أرون شاؤول".

فقال قائد مجموعة بكتيبة الاستطلاع بـ"جولاني" الرقيب أول "رونين سروسي", في معرض شهادته على الساعات الأولى لمحاولة دخول الجيش حي الشجاعية: "من الصعب استيعاب الساعات الخمس الأُوَل من المعركة والتي مررنا بها مع دخول غزة، فالبيت الأول كان مفخخًا ويتحصن فيه مقاوم، والبناية الثانية انهارت على ناقلة النمر، وقريبًا منها قتل جنديان من الفصيل، وبعد عدة دقائق تم شل قيادة اللواء بعد إصابة قائد اللواء بجراح خطرة، وقتل نائبه وضابط العمليات".

وتحدث آخر وهو ضباط طاقم "زغوري" في كتيبة الاستطلاع بـ"جولاني" عن مشاهداتهم في الشجاعية قائلين: "قام مخلوف بإطلاق النار على أحد البيوت القريبة، وأردنا اقتحامه، وعندها سُمع انفجار هائل فقد كان المبنى مفخخاً، واهتزت ناقلة النمر من شدة الانفجار وتعطلت كاميراتها".

"وبعدها هربت مجموعة من الجنود باتجاه البيت الآخر الذي شهد مقتل الجنديين، وعلى المدخل رأوا بركاً من الدماء".

وواصل زغوري شهادته على معركة الشجاعية، قائلاً: "رشقات الهاون كانت جنونية وبدأنا بحساب وقت سقوطها، سقوط وانفجار كل 5 ثوانٍ وبعدها انفجار آخر..".

وتحدث زغوري "عن دخولهم لأحد المباني في الحي حيث فتحت عليهم النيران من غرفة مجاورة وتسرب الغاز في المبنى وهرب زغوري وجنوده من المبنى على عجل وخرجوا جريًا قبل أن ينفجر المبنى بالكامل".

وفيما يتعلق بحادثة انفجار ناقلة الجند ومقتل ستة من الجنود على متنها واختطاف سابع, قال زغوري: "إنه شاهد كرة لهب مشتعلة من بعيد، وتحدثوا له بعدها عن الكارثة التي كانت هناك".

(3)
نعم، هذه شهادات حية من قلب المعركة جاءت على ألسن جنود الاحتلال؛ لتصف جزءًا من حقيقة القتال الذي دار بلا هوادة في تخوم القطاع الصامد، وغير تلك كانت كذلك شهادة كتيبة المظليين في خزاعة وكيف واجههم العملاق الذي لم ينفك عن قتلهم إلا بتدخل الدبابة "ميركافاة 4".

تلك الشهادات وغيرها من إصدارات تصويرية لتكشف العديد من الآليات المدرعة التي دمرت أو تعطلت قبل أن تجتاز الخط الوهمي الفاصل، وكيف استشعر جنود الاحتلال بأنهم قد وقعوا في كمائن مُحكمة من نجا منها كان كيوم ولدته أمه..!

لكن السؤال: لماذا رفعت قبضة الرقيب عن مقصه بعد عام لتكشف عن جانب من حقيقة المعارك التي سطرتها المقاومة في تصديها في الحرب الأخيرة "العصف المأكول"؟.

لعلَّ الإجابة لن تكون بعيدة عما بدأت دولة الكيان بتسريبه من أنباء عن صفقة يتم تداولها في أروقة صناع القرار عندهم؛ لفك لغز المفقودين وإزالة شبح تصاعد نذر انفجار الصراع من جديد، في مقابل انتزاع المقاومة الإفراج عن الأسرى ذوي المحكوميات العالية وغيرهم وانعتاق القطاع من قيود الحصار الظالم الذي تأكَّد أنَّه لم يُوْهِن من عزائم المقاومين الأشداء ولم يضعف بيئتهم الحاضنة في شيء.. غير أنه أذى "لن يضروكم إلا أذى".

إذًا، فما تلك الشهادات الميدانية في الحقيقة إلا تهيئة للرأي العام الداخلي في دولة الكيان بين يدي الثمن السياسي الذي ستدفعه مرغمة لأناس قاتلوا بشراسة قلَّ نظيرها، فهم القوم الذين لم يهابوا الموت في سبيل حياة كريمة حرة لهم.

فإنه لم يجد العدو الصهيوني بعد تلكؤ وتماطل استمر لعام أو يزيد تجاوبًا مع دعوات من أطراف إقليمية ومحلية دعته إلى أن لا يبدو وكأنه يُثيب المقاومين المقاتلين؛ فيتأكد أن غير سبيل المقاومة ما هو إلا سبيل الواهمين، ويتحقق أنه عندئذ لا يُجدي مع الاحتلال إلا انتزاع الحقوق بالسلاح الذي شرعن به وجوده على تراب أرضنا المغتصبة، وهذا ما يُحاصر مسار السراب الوهمي الذي يُسميه أزلامه بالتسوية السلمية.

(4)
نعم، تعالت أصواتٌ تنادي, حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها, العدو بأن لا يُكافئ مقاتلي غزة الأبطال بأي ثمنٍ سياسي مستحق؛ فاستجاب لطلبهم حين من الزمن امتد لعام أو يزيد بأن يترك غزة المحاصرة تحاصرها أكوام من الدمار؛ فتنفجر في وجه أهلها ورجالها.. إلا أنَّ الاحتلال لم يجد بعد عام بُدًّا إلا النزول عن صهوة عنجهيته وإلا.. لم يعد شيئًا تخشى عليه غزة لخسارته وإنَّ رجالها قد أعدوا ما لن يجعلهم يدفعوا الثمن وحدهم.

ولذلك لم يكن التحول المفاجئ في موقف قادة الاحتلال, فها هو الوزير الصهيوني المتطرف بينيت الذي ضجر منه نتنياهو إبان الحرب وهو يُزاود عليه في وصفه لرئيسه بالجبن.. فما تحوله إلا إذعان لإرادة المقاومة التي سطرت أروع ملاحم البطولة والفداء التي قلّ نظيرها في أطول حروب العرب مع الكيان.

(5)
وإنه عما قريب ستكشف الأيام حقيقة جلية.. كم كان الضغط الممارس على قادة الاحتلال كبيراً وقوياً من أطراف عربية بل وفلسطينية بحيث لا يُثمِّر انتصار المقاومة في أي منجز سياسي أو حتى استحقاق إنساني.

ولكنها إرادة الله أن لا يطول هذا المكرُ السيئ الذي سيمحق بماكريه المأجورين الذين حلموا ببناء صروح لهم على جماجم الشهداء وعذابات المحرومين المحاصرين.
[email protected]

ملفات أخرى متعلفة