إقرأ المزيد <


من لذعه حريق الكرمل؟!

عكيفا الدار
يفضل متخذو قراراتنا علاجا محدودا لكل ما يتعلق بتحديد الحرائق، وأزمة الماء، وأمن الطيران والزلازل وما أشبه من الموضوعات التي تحتاج إلى تخطيط بعيد الأمد. ما أعتيد أن يُسمى "إطفاء الحرائق". بيّنت الكارثة في غابات الكرمل أن (إسرائيل) بعيدة في إطفاء الحرائق أيضا عن لقب بطلة العالم.

إن اليدين اللتين أشعلتا غابات الكرمل وسلطات الدولة التي أهملت حماية المواطنين لم تُسبب موت عشرات الإسرائيليين وضياع بيوت آلاف فحسب. لقد أحرقت طبقة أخرى من أسطورة أن دولة اليهود قوة عظمى عسكرية – تكنولوجية، لا يجدر التحرش بها. يُسمون هذا في أدبيات الأمن "القدرة على الردع".

إن قافلة طائرات الإطفاء التي جاءت من الغرب، ذكّرت بـ"القطار الجوي" المليء بالسلاح الذي استحثته الإدارة الأمريكية إلى (إسرائيل) في أيام حرب (يوم الغفران الفظيعة). كان ذلك في ذروة الحرب الباردة التي شقّت الشرق الأوسط بين الكتلتين الكبيرتين. واليوم يستطيع رئيس حكومة (إسرائيل) أن يتصل في مساء سبت بموسكو وفي السبت صباحا تهبط طائرة إطفاء روسية في مطار بن غوريون. من كان يخطر في باله في تلك الأيام أن تهب الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية إلى سباق إطفاء نحو عين حوض؟.

صحيح، ليس عارا طلب مساعدة العالم لوقف حريق أو وباء أو فيضان. فان دولا كبيرة غنية أيضا تحتاج إلى مساعدة خارجية في الطوارىء. وقليلات هي الدول التي سبق أن رفعت للعالم كله الأصبع الوسطى واشتكت أنه يسلبها الشرعية.

وكي لا يُغرينا الإيمان للحظة بأنه يمكن الاعتماد على الجيران المسلمين، بادر وزير الخارجية افيغدور ليبرمان إلى التصريح بأن الألمان – لا نحن والعياذ بالله – هم الذين توجهوا إلى الأشرار في أنقرة. كان اسحق رابين يقول في ذلك إن النار نفس النار والعرب نفس العرب.

في الوقت الذي بدأنا نشعر بالدفء واللذة في غيتو الشعب الذي يسكن وحده خاصة، أصر كارهو (إسرائيل) على تخليصنا منه. لماذا كان يجب أن يحدث لنا هذا خاصة عندما كشف "ويكيليكس" عن السبق الصحفي الذي يقول إن محمود احمدي نجاد ليس كأس الشاي للزعماء العرب البراغماتيين وأنهم ينامون نوما لذيذا من غير أن يكون للفلسطينيين دولة أيضا؟

ولماذا نسي الأهوجان إطفاء الموقد عندما بدأ الجمهور خاصة يعتقد أن مصر والأردن لا يهمهما أن تبني حماس وحزب الله قوتهما على أنقاض أوسلو؟ هل ربما يوجد شيء ما فيما قاله الحاخام عوفاديا يوسيف من أن كل هذا عقاب لتدنيس السبت؟ عندما يُخمد لهب بيوت كيبوتس بيت أورن، سنعاود مساومة الأمريكيين في بناء عدة بيوت أخرى في عوفرا، وتُجيز الكنيست قانون ضم آريئيل (وقع على ذلك 35 عضو كنيست) ونطرد فلسطينيين آخرين في الشيخ جراح.

وسيقترح بنيامين نتنياهو على الفلسطينيين، كما قال لأعضاء كونغرس أمريكيين (بحسب وثائق "ويكيليكس")، دولة – بلدية منزوعة السلاح، تسيطر (إسرائيل) على حدودها وعلى مجالها الجوي وعلى أمواجها الأثيرية. وسيظل حزب العمل يؤيد رئيس حكومة سكّن أعضاء كتلة الليكود البرلمانية قائلا إن رؤياه هي أن يُسلم الفلسطينيين "إدارة المجاري في جنين".

عندما يحقق رئيس السلطة محمود عباس تهديده بأن يُسلم نتنياهو مفتاح مجاري جنين ويضع حدا لتسويف السلام، فان الائتلاف الدولي – الإقليمي الذي هب لإطفاء الحريق في الكرمل، سيكون ملك يدي (إسرائيل) زمن السلام. لكن عندما تنقض حماس على المقاطعة لن ترسل أي دولة وحدات إطفاء للتحقق من أن النار في رام الله لن تصل مستوطنة بسغوت.

ليس الاحتلال كارثة طبيعية بل فعل يدي الإنسان وهو في الأساس فعل أيدينا. ستظل (إسرائيل) تواجه الآمر وحدها مع الأضرار المحلية ومع آثاره الإستراتيجية – وفي مقدمة ذلك استغلال إيران الساخر لذلك.

ثمة مكان لإقامة لجنة تحقيق تحقق في الإخفاقات في غابات الكرمل وجهاز الإطفاء في (إسرائيل). وأهم من ذلك أن نستعد للنار الكبيرة التي ستشب بسبب عدم وجود تخطيط سياسي لأمد أبعد من نشرة الأنباء التالية. هذا أهم بأضعاف مضاعفة بعد أن تبين مرة أخرى أن مصيرنا متروك لقيادة لا تعرف أن تُطفيء حتى الحرائق. من لذَّعه الحريق لا يجوز له أن يلعب بالثقاب.

ملفات أخرى متعلفة