إقرأ المزيد <


لنتصالح... حتى تتم المصالحة

تميم البرغوثي
ثلاثاء ٠٧ ١٢ / ٢٠١٠
بداية أعتذر من القارئ على إثقال مسامعة وإشغال تفكيره وتلويع خاطره بكثرة تناول هذا الموضوع من خلال صفحات الصحف والمواقع الإلكترونية وغيرها من وسائل الإعلام بدون نتائج تتحقق، ولكن لا بد مما ليس منه بد، فملف المصالحة أولوية فلسطينية وعربية ودولية تقع في سلم الأولويات بعد الأولوية الأولى، وهي أولوية الخلاص من الاحتلال..

ويذهب البعض لاعتبارها أنها أولوية الأولويات، حيث ما قيمة الدولة بدون مقوماتها المدنية والقانونية والاجتماعية، فالهدف الذي يصبو له الجميع هو دولة لكل الشعب الفلسطيني، تُشكل حاضنة وبيتاً وحصناً لجميع أبناء شعبه، وتحقيق هذا الحلم يعد في حكم المستحيل بدون الوصول إلى وحدة الأهداف ووحدة الخطى، وانتظام الإيقاع وتكاتف الجهود، ووحدة الصف.

لقد بذلت جهودٌ كبيرة، وعقدت لقاءات عدة، وقُدمت مبادرات عديدة لم تترك شاردة ولا واردة إلاّ وتناولتها من أجل إنهاء حالة الانقسام، ومع أن الهدف ليس بمستحيل ولا هو من المعضلات، إلاّ أن الشأن الفلسطيني أصبح أكبر وأبعد من طاولة الحوار، وهذه الحقيقة الرئيسة التي علينا أن نعترف بها..

وإلا فإن المسألة من السهولة بمكان لتنتهي على طاولة لجان الإصلاح المحلية التي تتشكل من الوجهاء والمخاتير والحكماء، والذين في كل يوم يقومون بجهود كثيرة، ويصلوا لنجاحات لحل كثير من مسائل الخلاف والنزاع والخصام، وفي الأحزاب الفلسطينية والفصائل من لهم الباع الطويل في تناول مثل هذا الخلاف وتطويقه وحشره في زاوية الحل، بل إن حركتي فتح وحماس تمتلكان من الطاقات البشرية والقيادية ما يغنيهما عن الوساطات والمبادرات، إذا اجتمعوا معاً على طاولة فلسطينية بامتياز، أو جلسوا معاً على حصير أو بساط صنعته أيد فلسطينية.

ولكن مع كلّ ذلك لابد أن تبقى الهمة عالية، والأمل كبير، وأن لا يدخل اليأس للقلوب، وأن يبقى ملف المصالحة على الطاولة ، بل لننقله إلى قلوبنا وأفكارنا حتى يبقى حاضراً في مسلكياتنا اليومية وخطاباتنا وأقوالنا، حيث ذهبنا وتحركنا محلياً ودولياً.

ولكن حتى ذلك اليوم، الذي تتصافح فيه الأيدي، فإنه بالإمكان أن نصل إلى ما هو مهم كذلك، وليس أقل أهمية من المصالحة الرسمية والفصائلية، أي مصالحة قبل المصالحة وهو الوصول إلى حالة تصالح مع الذات، نبدأ بعدها مرحلة جديدة ونفتح صفحة أمل لهذا الشعب الصابر والمرابط تتكامل فيها الجهود ، وتتلاقح الأفكار، وتتبع الخطوة الخطوة نحو القدس والدولة.

وأقصد بكلامي أن نعمل كل ما هو ضروري لحفظ كرامة المواطن من خلال الالتزام بمصلحته، وذلك بأن يكون المواطن الفلسطيني أغلى مشاريعنا، وأن يكون احترام المواطن وحقوقه كاملة كما وردت في القانون الأساسي الفلسطيني والقوانين الناظمة له هدفٌ لا يمكن تجاوزه، وعليه فإن كل ما يمس حق المواطن وحريته وكرامته وجميع ما له يعد محرماً..

وهذا يستوجب قرارات من الجهات العليا في رأس الهرم تنساب للجهات التنفيذية للالتزام بذلك، وهذا يحتاج من الجهات المعنية أن تمتلك الشجاعة للقيام بذلك، وهذه الخطوات متيسرة وليست بحاجة لتدخلات خارجية، لكل طرف أن يتخذها ويتبناها بشكل تلقائي، أو من خلال لجنة وطنية أو هيئة تقوم بصياغة بنود عمليّة بلغة فلسطينية يتم التوقيع عليها وتكون بمثابة وثيقة شرف وطنية يتم الالتزام بها تسمح للمواطن أن يحيا حياته الطبيعية وفقاً للحقوق التي حباه إياها رب العالمين، والتي كفلتها القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية وعلى رأسها القانون الأساسي الفلسطيني...

وإذا تعذر ذلك من خلال جهود فلسطينية فليكن برعاية دولة عربية أو جامعة الدول العربية، فالهدف هام وليس أقل أهمية من الوصول لشكل المصالحة، فهذه الإجراءات الاجتماعية والسياسية والإعلامية هي المصالحة الفعلية، لأن حالة الانقسام تمخض عنها الكثير من الأخطاء والكبائر والمحرمات التي تنخر في النسيج الاجتماعي، وتهدد الوفاق الوطني، وتمس تفاصيل الحياة بشكل يومي ومباشر..

بل إن هناك من الممارسات والقوانين والإجراءات ما يشكل خروجاً لسلوك المسلك الآخر وتجاوز الإشارة الحمراء في كثير من الأوقات بشكل يخالف أعرافنا وقيمنا وتقاليدنا، وحتى قناعات من يقومون بها، لكنه واقع اسمه الانقسام تحول إلى حالة مرضية أصابت الكبد الفلسطيني وامتدت وانتشرت لتطال بقية الأعضاء، لكن الذاكرة الفلسطينية والتاريخ والوطن بجغرافيته وتضاريسه، بمناخه وتربته وهوائه كافية لإحداث صدمة تعيد لهذا الجسد عافيته، وتلم أجزاءه وتجمع وتوحد أحلامه، إذا وجد من يقرع الجرس.

لن أستفيض في كثرة الحديث عن الحالة السائدة ومساوئها وفصول ما حدث وتداعياته، والمبادرات وبنودها، وعدد اللقاءات والحوارات وأيهما كان أولاً مكة أم صنعاء أم القاهرة أم دمشق، وماذا حدث في كل محطة، وما يعانيه الفلسطيني في الضفة وغزة..

فكلها فصول عاشها المواطن ويذكرها السياسي ولم ينسها بعد صناع القرار، والأهم من كل ذلك كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من وطن محتل تقطع كل يوم منه أهم أجزائه، ويخطط لتحويله إلى ذاكرة أو حتى طمسه من الذاكرة، وكل هذه الفوضى التي تجتاح الوطن زيادة على ما يصيبه بأيدي المحتلين تزيد من معاناة الجميع داخل الوطن وخارجه، داخل السجن وفي أقبية زنازين الاحتلال بل حتى إنها تؤرق أحلام الشهداء وتزيد معاناة الصامتين المخلصين.

وعليه فمن حق كل ذلك علينا أن نفكر بموضوعية كيف يمكن الخروج من هذه الحالة، ولعل كل المخلصين يتمنون أن يكون التسابق في ميدان تسجيل المكرمات والإنجازات الوطنية، وأن نتسابق ونتنافس في تقديم النموذج الأفضل.

إن هدف مقالتي ليس الكتابة من أجل الكتابة، ولا من أجل تسجيل عدد من صوّت مع ومن صوت ضد، إنما هي فكرة لتحريك الماء المتحرك ولكن في الاتجاه الذي أرى أنه يمكن أن ينبت زرعاً وخضراً. وأتوجه بهذه الكلمات لكل صاحب مسؤولية وصاحب غيرة ولأصحاب المبادرات من المخلصين فرادى وجماعات، هيئات ولجان، مستقلين وغير مستقلين.. بأن لا نيأس ولا نلقي اليراع وأن نواصل العمل..

وأرى أن ما قصدته في مقالتي هذه يفهمه من يريد الإصلاح " إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما.." ويحتاج ذلك إلى مواصلة التواصل وأن يكون الهدف الأول إنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة وإن تعذر ذلك في المرحلة الحالية، وأظنه كذلك، فليس أقل من الوصول لما يحقق حالة الأخوة الفلسطينية، حالة عدم الخصام، حكم القانون والقانون بصدق..

حالة العلاقة الطبيعية المبنية على حق المواطنة وأنا لازلت متفائلاً أن ذلك سيكون هدفاً للجميع، فلا زال فينا الغيور والمخلص والوطني، بل أعتقد أن أكثرنا كذلك، وكلي أمل أن يبادر الإخوة الغيورون أصحاب المبادرات بصياغة ما يلزم لتحقيق هذا الحلم حتى يلتئم الشمل ويسود الوئام والسلم ويكون شعارنا أبداً:
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا

ملفات أخرى متعلفة