إقرأ المزيد <


أغلبها يُرفق بمشاهد إباحية..

"أفلام الرُّعب".. سينما تؤجج الشغف بالدم

غزة- هدى بارود
أغمضت عينيَّ لدقائق خائفة من تلك اللحظة التي أمسك فيها "خادم الشيطان" بالضحية، لأفتحها على صورةٍ كان فيها الرجل – الضحية- معلقا بـ"خطاف" ككتلة لحم، وبجواره "جلده" الذي سُلخ نهائيا عنه كالخروف تماما، والدم يملأ الأرض.. و"المُعلَّق" يصرخ بهلع.

ارتعشت أطرافي و بسرعة امتد إبهامي لزر "الريموت" الأحمر، فصارت الشاشة سوداء واختفى المشهد.. لكنه لم ينته، إذ إن أحداثه تتابعت في حلمي الذي لم يخلو من الدم والصراخ.

للحظاتٍ ظننت أن المشهد سيرافقني طوال حياتي، لذلك قررت أن أتابع الفيلم كاملا مرة أخرى وأتحدى خوفي.. فبحثت عنه عبر الشبكة العنكبوتية "الانترنت" وخلال نصف ساعة أصبح متاحا على جهازي.

هذه المرة قررت أن "أحملق" أكثر فيه، وأفهم المغزى من كُل مشهد، وللأسف رغم كمية الرعب المهولة فيه، لم تكن النهاية تحمل أي حكمة أو عبرة، إلا أنها تطرح قصة شاب عذبه أهله بصورة مهينة في صغره وصلت إلى الاغتصاب، فلما أصبح رجلا.. تحالف مع الشيطان لتعذيب كُل الآباء والأمهات، وهذا ما فعله.

لم يكن هذا هو "فيلم الرعب" الوحيد المُتاح أمامنا، شباباً وأطفالاً ورجالاً.. وحتى عجزة، خاصة مع ظهور قنوات متخصصة بعرض أفلام الرعب و"الأكشن".. وكانت الفرصة قبل سنوات عديدة محدودة لمتابعة هذه الأفلام، خاصةً وأنها تُعرضُ في ساعات متأخرة من الليل، وكان يكتب على شاشة التلفزيون السوداء بخط أبيض واضح قبل عرضها " الفيلم يحتوي على مشاهد رُعب، وينصح أن لا يشاهدها من هم دون الثامنة عشرة"، أو يكتب قبل بداية الفيلم " + 18".. أما الآن فلم نعد نرى هذه العبارات.. وأصبحت الأحداث الدموية تُعرض بلا رقابة.

عدد لا بأس به من أبنائنا يدمن مشاهدة "أفلام الرعب" وتشده مشاهد القتال والدم، حتى أن البعض يكرر المشهد حتى يحفظه عن ظهر قلب.. وأحياناً.. يُقلِّده!!

محمد شابط طفل لم يتجاوز السابعة عشرة من العمر، إلا أن هوسه بمتابعة أفلام القتال لا يوصف، إذ يحفظ مواعيد عرضها والقنوات التي تعرضها بدقة، ويحاول أن يقلد عددا من مشاهدها مع رفاقه، من باب التمثيل.

على استحياء وبتردد أجاب على سؤال "فلسطين" عن " هدفه من متابعة مشاهد العنف في الأفلام"، قائلا :" أحاول أن أتعلم بعض فنون القتال".
]QUOTE>
شابط "مراهق" كثير الحياء وشديد التحفظ خاصة في علاقته بالفتيات، إلا أنه ما إن يحضر "طوشة" حتى يصبح طرفا بارزا من أطرافها نتيجة تشجيعه المستمر لأحدٍ ضد آخر.

متابعة المشاهد المتفرقة من أفلام "الأكشن" والرعب، خلقت لدى الصغير هوسا جعل والده يخشى عليه منه، فاستشار المرشدة الاجتماعية في "عيادة" وكالة الغوث في منطقته، وهي بدورها أتاحت لنا فرصة اللقاء معه، قائلة عن حالته :" يحاول محمد أن يسقط ما يراه في أفلام الرعب على حياته الشخصية، مما خلق التناقض ما بين طبيعته الهادئة والحالة الدخيلة".

وكشابط، يعاني الكثير من الشباب الفلسطيني من مشاكل تناقض حياتهم المُعتادة وواقعهم مع الخيال يتابعونه بكثرة.

دكتور الإعلام في جامعة فلسطين أ.د حسين أبو شنب أرجع انتشار أفلام الرعب في قنوات متخصصة إلى خطة "صهيونية" مُتبعة للفت انتباه الناس عن مرحلة الصراع التفاوضي الذي يعيشها الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص.

وقال :" إن الصراع التفاوضي الذي نعيشه حاليا من شأنه أن يشكل جبهة فلسطينية وعربية مضادة للأهداف الصهيونية، وهذا ما تخشاه الحركة الصهيونية، لذلك قررت باعتقادي أن تشغل الناس بأفلام الرعب".

وضربَ أ.د أبو شنب مثلا على كلامه، قائلا :" في أوج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الحدود اللبنانية عام 82، ظهرت المصارعة الحرة المليئة بالعنف، حتى أن بعض المقاومين الفلسطينيين قالوا مخاطبين العرب " انظروا للمصارعة مثلما تنظرون لنا نقتل"، وهذا يؤكد أن الرعب سواء كان بالمصارعة أو الأفلام، وسيلة لإلهاء الشعب الفلسطيني والعرب عن الصراع الحقيقي".

واعتبر في حديثه لـ"فلسطين" أن وجود قنوات مفتوحة ومتخصصة بعرض الأفلام غزو فكري وخطة تدمير ممنهجة، قائلا :" في مؤتمر الحركة الصهيونية في بازل بسويسرا عام 1798 ذُكر في بروتوكلات حكماء صهيون، في البند رقم واحد من برتوكول تلك السنة أن الهدف من الإعلام " الوصول إلى عقل ووجدان المواطن المظلوم من حكامه الجلادين"، مؤكدا أن عملية الغزو الفكري والتدمير النفسي هي عملية مُخطط لها منذ القِدم.
]QUOTE>
وقال أ.د أبو شنب:" الإعلام ليس حرا كما يقولون، إذ تسيطر عليه إمبراطوريات متحكمة في أغلبها تخضع للصهيونية العالمية".

وعن تحويل القنوات المشفرة إلى متاحة، قال :" هذه خطوة الهدف منها تسهيل مهمة تدمير عقول الشباب، خاصة الفلسطيني، ومشاعرهم، خاصة أنها لا تخلو من مشاهد إباحية صريحة، فتأثيرها سياسي واجتماعي، ومشاهدتها بصورة دائمة وبشكل مُتاح يساعد على الإسراع في تحقيق الهدف منها".

وأعرب أ.د أبو شنب عن خشيته من تقليد ومحاكاة الأطفال والمراهقين لما يتابعونه من عنف وإباحية، خاصة في ظل تطور وسائل الإعلام وتعدد أساليبها في الوصول إلى المشاهدين.

وعن طرق مجابهة تلك القنوات المتخصصة، والتخلص منها، قال :" يجب أن يوجد بديل إعلامي عربي حر ومنظم، ويقوم على أسس واضحة خالية من أساليب التحريض والقذف، وهو الوحيد القادر على الوقوف في مواجهة الرسالة الإعلامية الصهيونية المضادة".

واستدرك :" للأسف لا نملك نظاماً إعلامياً فلسطينياً يمكنه مقاومة الرسالة الصهيونية في الفترة الحالية، ولكن قبل أوسلو كان لنا إعلام واضح الرؤية والهدف والأساليب".

وتابع متأسفا :" رأس المال العربي الذي يتيح لنا أفلام الرعب هو رأس مال يبحث عن التجارة للأسف، ولا يمكن التخلص من رسالته الإعلامية إلا بتنقيته من المصالح والتبعات المالية".

أما عن دور أفلام الرعب في ترسيخ ثقافة العنف في المجتمعات، خاصة الفلسطيني، قال :" المجتمع الفلسطيني بالأخص جُبل على الحدة كصفة وسمة أساسية، نتيجة لما مر به، وللأسف انعكست على السلوك الاجتماعي، لذلك نحن بحاجة ملحة لإعلام وطني واجتماعي وثقافي وسياسي ينقي النفوس، ويحميها من أي طريقة إلهاء".


وعن الأثر النفسي الذي تخلفه الأفلام المذكورة على الحالة النفسية، والصحة النفسية لمتابعيها، خاصة من الأطفال والمراهقين، قال أستاذ علم النفس المشارك في الجامعة الإسلامية د.جميل الطهراوي :" صارت صناعة أفلام الرعب متخصصة والاهتمام بها فائق، لذلك فتأثيرها على المشاهدين قوي، حتى وإن لم يكن بطرق مباشرة، خاصة على الأطفال ولا سيما إذا كانت المشاهدة في الليل".

وتابع :" يسقط الإنسان ما يراه من مشاهد رعب خيالية على حياته، فتراوده الأحلام التي تتعلق بما شاهد، أو يتغير سلوكه وفقا لكم وكيف ما يراه"، مُضيفا :" عادة ننصح بإغراق الطفل بالخيال في أفلام الكرتون، لأنها تجعله يعيش في عالم ثان فيتخيل أن البوكيمونات يمكن أن تنقذه من الجيش الإسرائيلي، أو أن سلاحف النينجا تحارب معه، مثلا، وقياسا على ذلك نستطيع القول بتأثير أفلام الرعب على مشاهديها".
]QUOTE>
وأشار د.الطهراوي إلى أن المتابعة المستمرة للمشاهد العدوانية هو "انحراف عن المتوسط" إلى الحد المعقول للصحة النفسية، وتسبب خللا في نفسية الأطفال، والكبار على حد سواء.

وعن الآثار النفسية التي يمكن أن يتعرض لها الشخص نتيجة المتابعة المستمرة لأفلام الرعب، والخيال، قال :" يعيش الإنسان حياة منعزلة في الأغلب، ويلجأ لحل مشاكله بحلول خيالية وغير واقعية، وفي بعض الأحيان يقلد البعض ما يشاهده".

وانتقالا إلى فكرة تقليد البعض لما يراه، عُرض على البرنامج الاجتماعي الأمريكي "دكتور فيل" عدد من الجرائم التي ارتكبها مُتابعون لأفلام رعب، فكيف إذاً بالمجتمع الفلسطيني الذي يشاهد على أرض الواقع عددا لا بأس به من هذه المشاهد في الهجمات الإسرائيلية المستمرة عليه؟!

د.الطهراوي أجاب :" للأسف شاهدنا العنف في حرب الأحزاب الفلسطينية، وهو انعكاس لحصيلة الإنسان الفلسطيني التي تشكلت من معاصرته للعنف في تاريخه الطويل مع الاحتلال، ولا يمكن حساب النتائج إن زاد حجم متابعة أفلام الرعب المصنوعة والمُتاحة".

وتابع :" مشاهد الجنس الصريح التي لا تخلو أفلام الرعب منها، تُخيف أكثر من العنف نفسه، لأنها تربك حياة الطفل، وتسبب اعتلال تصرفاته الأخرى في الدراسة والسلوك، فما فشل الأطفال المتابعين لها إلا أعراض سطحية لخلل داخلي أكبر".

وأشار إلى أن طبيعة الإنسان تُلفته إلى مشاهد العنف أكثر من الحوار، لذلك كان من الطبيعي انجذابه إلى تلك الأفلام منذ بدايتها في الستينات من هذا القرن، بداية "بالفك المفترس/جاك"، فكيف بعد أن أصبحت صناعة مُحترفة ومدروسة؟!.

وعن الطريقة التي يمكن أن يحمي بها الأهل أبناءهم من الوقوع فريسة لهذه الأفلام، قال د. الطهراوي :" لا يمكن توفير الحماية المطلقة في ظل التطور التكنولوجي الهائل، لذلك من المعقول متابعة الأهل لأبنائهم بين فترة وأخرى، والنتائج لا تكون بين يوم وليلة، ويجب أن تكون بالرضا والتفاهم لا الإرغام والمنع المُطلق".

وتابع: "يمكن للأهل أن يساعدوا ابناءهم على انتقاء برامج مميزة وجيدة، كأن تحدد العائلة فيلماً وثائقياً مثلا، وتطلب من الأطفال تلخيصه، والتفريق بين الخيال والحقيقة، وهذا يشكل نوعاً من الوعي الذي يمكن بعده ترك الفرصة أمام الأبناء للاختيار".

ملفات أخرى متعلفة