إقرأ المزيد <


" الاستبداد العربي" موروث تاريخي وتجذير سياسي

تسعى دراسة " أصول الاستبداد العربي" للمؤلف الفلسطيني زهير فريد مبارك إلى حسم إشكالية وجود استبداد عربي أم عدمه، كما تسعى إلى معرفة ماهية الأصول التي بلورته، وإلى أي مدى يوجد علاقة بين هذه الأصول. ومن جهة أخرى، تسعى هذه الدراسة إلى معرفة دور بطانة الحاكم في تكريس الاستبداد، ومعرفة ماهية اتجاهات الأصول الاستبدادية، وهل هي أصيلة كجوهر للذات العربية، أم أنه تم استيرادها.

يذكر المؤلف في مقدمة كتابه أن مفهوم الاستبداد شغل حيزاً هاماً لدى الفلاسفة والمفكرين على مر التاريخ، فهو لم ينوجد في مكان دون آخر، بل استفحل في بقاع المعمورة كافة. وعليـه، فقد ظهـر صـراع بين الحاكـم والمحكوم منذ وجد الحكم، وما زال يشغل حيزاً من التفكير للخروج من هذا المأزق الذي تعانـي منه الإنسانية.
ويوضح مبارك في كتابه أن الاستبداد أعلى مراتب النفي الذاتي للشعوب على مستوى العالم ككل وعلى المستوى العربي بشكل خاص، فحالة الشعور بالقمع المتجسد في الذات من قبل الآخر تعيق التقدم، وتسبب ضموراً في الإنتاج. وبالتالي، فإن الاستبداد ( وفق الكاتب) يساوي الجمود بجميع صوره الفكرية والإبداعية والإنتاجيـة، ويصادر حرية الأفراد تحت ذرائع ومسميات تبريرية عديدة.

ويشير إلى إن الأصول الاستبدادية قد تتشابه على مستوى العالم، وتتقاطع فيما بينها، ولكن عند الإطلاع على التاريخ العربي نجد خصوصية عززت أصولا ذاتية منبثقة من عمق التجربة العربية الممتدة من الحقبة ما قبل الإسلامية حتى اليوم. لذا؛ فهذه الدراسة تحاول الإضاءة على أصول الاستبداد العربي، كما تحاول وضع إطار عام لمعرفة الاتجاهات التي بنيت عليها هذه الأصول.

ويؤكد الكاتب مبارك في دراسته أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، هي علاقة مضطربة تقوم على فرض الطاعة تلبية لخدمة الحاكم، وإخضاع المحكومين لإرادته، ومتطلباته دون الأخذ بعين الاعتبار مصالحهم، ولا طبيعة التعاقد الإنساني ما بين الطرفين. ولذا، ما زالت الأنظمة العربية تمارس القمع والاستبداد كحق لها، فتستنفر قواها، دائما، حفاظاً على وجودها؛ لأنها تعلم أنها فاقدة للشرعية. فهي تمارس الاستبداد باسم الأمن العام، والمصلحة العليا للوطن. وهذا لم يأت من فراغ، فقد كان هناك تراكمات، وأصول سعت هذه الدراسة للكشف عنها مبينة عناصر التراكم فيها.

ويتطرق المؤلف إلى عدد من ملاحظات التي يرى بأنه لا بّد من الوقوف عليها. من أهم هذه الملاحظات:
أولاً، إذا أراد العرب الخروج من الاستبداد فإن ذلك ممكن، لأنه ليس في طبيعتهم. وإن كان التاريخ يظهر حالة الاستبداد، منذ ما قبل الإسلام وحتى اليوم، إلا أنه ليس بالطبيعة، وإلا ما تمرد الصعاليك على واقعهم الاجتماعي، ولما جاء الإسلام بقيادة النبي محمد للتخلص مما تحويه القبلية من ظلم لأفرادها، ولما قامت الحركات الفكرية التي تدعو إلى حرية العقل رغم حالة السحق التي منيت بها كما، هو الحال بالنسبة للمعتزلة، ولما ذهب تحت محارب الحرية الكثير من الساعين للتخلص من الاستبداد.

ثانياً، لا بد من إعادة النظر في وجهات النظر السائدة على صعيد الفكر وتحديدا السياسي. فهو وإن وجد ليعبر عن مرحلة ما، فهو لا يعني بقاءه جاثماً على عقولنا فارضاً إرادة الحكم المستبد.

ثالثاً، مبدأ الخوف هو المبدأ السائد في العالم العربي. فالحاكم يمارس الخوف باسم الحفاظ على النظام، ورجل الدين يمارس الخوف باسم الحفاظ على الدين، والمثقف يقمع المجتمع باسم محاربة التخلف. كل الأطراف تتحمل المسؤولية في استمرار الاستبداد فثقافة الاستبداد هي الثقافة السائدة في ثنايا البناء الاجتماعي العربي على مستويي الحاكم والمحكوم " وإذا كان أهل الحكم يحتكرون السلطة فإن أهل التطرف يحتكرون الحقيقة". وعليه، فإن ممارسة الخوف تضع الحرية في أزمة نتيجة ممارسة الحكم في الواقع العربي الممتدة في الموروث الثقافي، والمتجذرة في الوعي الذاتي؛ لأن الأمر لا يقف على الحاكم فقط، بل ينسحب على باقي المجتمع، وخصوصا المؤثرين فيه.

رابعاً، إن حالة السيطرة الغربية ودعم الاستبداد يأتي في الوقت الذي يقدم فيه الحكام المستبدون الخدمات بكل يسر للاستعمار، وهو ما كان قديما ومازال حديثا. وهنا تجدر الإشارة أن الاستعمار عندما قدم وجد الاستبداد متجسدا حاضرا، فما كان منه إلا أنه استغل هذا الوجود وغذاه؛ لأنه مع الاستبداد يبقى التخلف والفقر، وهما البيئة الأمثل للسيطرة الاستعمارية بكل تجلياتها.

ملفات أخرى متعلفة