إقرأ المزيد <


ما يناسب العمل لا يناسب البيت

القيادة الأسرية للمرأة العاملة.. محاذير وقواعد

غزة- أسماء صرصور
تأخر تجهيز الطعام.. والمنزل بحاجة إلى ترتيب.. والأبناء يريدون المساعدة في حل الواجبات المدرسية.. وأمور أخرى يرى المجتمع أنها من مهام الأم مهما حدث..

ولكن "علا" عادت إلى منزلها مرهقة من عملها.. وأحضرت معها غذاءً جاهزًا.. وأجّلت ترتيب المنزل ليوم إجازتها.. أما دراسة أولادها.. فطلبت منهم الانتظار قليلاً حتى تلتقط أنفاسها..

تأخر الوقت ونام الأطفال دون أن تساعدهم.. وعندما عاد زوجها ورأى الحال تعكر مزاجه.. وتشاجر معها.. طالبًا منها أن تعمل على التوفيق بين عملها وأسرتها أو ترك العمل للتفرغ للعناية بالبيت..

في المقابل.. "علا" أخبرته أنه يعاملها بإجحاف ولا يراعي ما تعانيه فزميلة زوجها يقدم لها الدعم على عكسه.. "فلسطين" تتناول اليوم موضوع "القيادة الأسرية للمرأة العاملة" وتستعرض عبر صفحة "إدارة الذات" لهذا الأسبوع القواعد الذهبية لنجاح مشروع الأسرة.. والتفاصيل في سياق التقرير التالي..


بدورها، أوضحت المواطنة "أم محمد" أنها في بداية حياتها الزوجية كانت مجرد ربة منزل لسبعة أولاد وزوجها مصدر الدخل الوحيد للأسرة، ولكن الظروف الحياتية الصعبة دفعتها لمزاولة العمل في حقل التدريس.

وبينت أنه في بداية عملها كان التوفيق بين المنزل والعمل مشكلة كبيرة جدًا، فأولادها اعتادوا على وجودها الدائم في المنزل، ومساعدتهم في حل الواجبات المدرسية، "والآن بدأت قليلاً أتحكم بالأمور، ولكن ما زلت أعاني ولا أحصل على أي دعم من زوجي بل تأنيب على التقصير".

أما "أم عمر" فأشارت إلى أن زوجها مهتم بها وبتطوير ذاتها، فعندما طلبت منه إكمال دراستها، وافق وسعى لتوفير المال اللازم لها، ووفر لها كل المتطلبات التي تعينها على التفوق لتنال الامتياز في جميع مراحل دراستها.

وقالت: "عندما جاءت فرصة عمل شجعني على الموافقة رغم ترددي لصغر سن أطفالي"، مشيرة إلى أن ما ساعدها على التوفيق أن أطفالها من النوع الذي يمكنه الاعتماد على ذاته ولا يسبب المتاعب، "بل في كثير من الأحيان يقدمون المساعدة في الاعتناء بالمنزل".


بدوره، استهل مدرب التنمية البشرية م. محمود البلعاوي حديثه بالإشارة إلى أهمية معرفة مدى اقتناع الزوج بخروج المرأة إلى العمل، مما قد يؤدي رفضه في بعض الأحيان إلى نشوء مشكلة، "فهل تتنازل المرأة عن حقها الذي كفله لها الشرع والعرف بالعمل حين تأتيها الفرصة؟، أم أن هذا التنازل أول درجة في سلم التنازل عن حقوقها بعد ذلك" أم أنها تصر على العمل وتترك المياه لتعود إلى مجاريها بروية، وتتشكل القناعات من جديد؟

وأوضح م. البلعاوي في حديثه لـ "فلسطين" أن القيادة بحد ذاتها هي فن التأثير – إيجابًا أو سلبًا – لتحقيق أهداف ما، لافتًا النظر إلى أن الأساس هو مدى العلاقة بين الزوجين فهل هي قائمة على التأثير الهادئ أم على مبدأ من يصنع القرار في الحياة الأسرية؟، وأكد على ضرورة فهم أن القيادة داخل الأسرة تشاركية وليست تنافسية مع رب الأسرة سواء كان الزوج أو الأب أو الأخ الأكبر.

ونوه إلى أن الشخصية القيادية التي تعيشها المرأة داخل بيئة العمل المؤسسي الرسمي لها تأثيرها على علاقاتها داخل الأسرة الاجتماعية، معتبرًا هذا الأمر منعطفاً خطيراً لاختلاف طريقة التعامل داخل البيت والتي تتصف بالحميمية والعاطفة والمشاعر، على عكس بيئة المؤسسة المليئة بالاجتماعات والمواعيد وترتيب إنجازات العمل.

وقال: "من المهم التأكيد على أن شخصية الإنسان لا تتقمص وجهين في نفس الوقت بل تبقى الصفات الشخصية واحدة لا تتغير بتغير المكان والبيئة"، موضحًا ذلك بأمثلة، منها أن المرأة الحديدية داخل المؤسسة تكون حديدية داخل البيت، "ومن المظاهر رسمية في الكلام ورسمية في المواعيد والعلاقات, ودرجة عالية من الانضباطية والالتزام والترتيب".

أما بالنسبة للمرأة ذات الشخصية الضعيفة ستكون كما هي في المؤسسة كما في البيت، ومن ذلك مواعيد "مهلهلة" ومكتب غير منظم وأوراق مبعثرة وأرشيف غير دقيق ، منوهًا إلى ضرورة معرفة الفرق في التعامل في المؤسسة الرسمية والبيت.

وأشار إلى أن المرأة العاملة تحتك مع عدد من الدوائر الاجتماعية، كدائرة الأبناء والزوج، ودائرة العائلة الممتدة، ودائرة الأقارب، مبينًا أن كثيراً من الأسر حدثت بداخلها صراعات ومشاكل وتفكك أسري جراء عدم إتقان التعامل مع استحقاقات المرأة العاملة في العائلة الممتدة والأقارب.

وأضاف: "تُظهر المرأة العاملة النزعة القيادية ورغبتها في التحرر من هذه الالتزامات"، وقد يتردد في مخيلتها أنها تعمل وتتعب طوال النهار أما الأقارب لا يماثلونها، وقد تتضايق من أقارب زوجها على أساس حضورهم في وقت غير مناسب بالنسبة لها.

وتابع: "ولربما يصل إلى تقليل خروجها في زيارات الأقارب الشهرية لأنها لا تستطيع أن تكون فيها كلها"، مكملاً: "الحل في مثل هذه الحالة يكون من خلال القيادة بالحكمة والوضوح والصراحة، مع التزام الزيارات وتعزيز الهدية".


وأضاف: "إن لنجاح مشروع الأسرة في حالة عمل المرأة عدداً من القواعد المهمة"، وأولها "ألا يشعر الزوج أن زوجته تشكل شخصية قيادية جديدة لتتكبر بها على شخصيته"، فبعض الأزواج يكون سعيدًا بقوة شخصية زوجته وتعاظمها في المجتمع.

وبين أن البعض الآخر يعتبره منقصة ويرفض هذه الفكرة مهما كان المقابل المادي الذي سيفقده جراء رفضه لفكرة العمل، مشيرًا إلى أن الحل الأمثل من خلال الاتزان، "فالزوج لن يعترض أن تكون لزوجته شخصيتها القيادية والاعتبارية إذا أحسنت المرأة ألا يكون هذا العمل على حساب شخصيته ثم البيت والعلاقات البيتية" وفقًا لقوله.

وأشار إلى أن القاعدة الثانية تتمثل في "ألا يكون رأيها وكلامها بين الناس مقدماً على كلامه أو مخالفاً لرأيه"، مبينًا أن المرأة العاملة في حال تشكل شخصيتها القيادية بشكل حقيقي تنسى أحيانًا أن البيئة الاجتماعية غير البيئة الرسمية للعمل.

وأكد على أنه في البيئة الاجتماعية لابد من تقدير رأي الزوج واحترامه حتى لو كان للزوجة رأي آخر، "ولكن بعضهن تخطئ في أسلوب طرح الرأي فتقع في حرج مع زوجها"، ولفت النظر إلى أن القاعدة الثالثة تقتضي "عدم إرهاق البيت بمشاكل العمل".

وبين أن هذا الخطأ الفادح يتشكل بطرح مشاكل العمل بإكثار وخصوصًا في الجلسات العائلية التي يرغب فيها رب الأسرة بسماع أخبار البيت والأولاد وليس أمور أخرى.

وبالحديث عن القاعدة الرابعة "وقت العمل للعمل ووقت البيت للبيت"، أوضح أنه ينبغي الحرص على أوقات البيت تماما كما الحرص على مواعيد الدوام الرسمي للعمل، لافتًا النظر إلى الثقافة المنتشرة جدًا في مجتمعنا أن العمل يلاحق همومه ومتابعاته كل أوقات النهار والليل والاتصالات الهاتفية خارج وقت الدوام وفي الإجازات لا تنقطع.


وأشار إلى أن القاعدة الخامسة تعتمد على "تفعيل جو الرحلات العائلية القصيرة مع أفراد الأسرة"، فأي إنسان عامل يتعرض لضغط نفسي كبير جدًا وهو لا يشعر، ويحتاج نهاية كل أسبوع لتفريغ هذه الشحنات بواسطة الأجواء غير الرسمية.

وتابع: "لو لم يفعل الإنسان ذلك يصبح عصبيًا وتصيبه حالات انفعال ويظن أن الخلل في الآخرين"، إضافةً إلى أنه يزداد صلابة في رأيه ويتحول من المرونة إلى التعصب وصعوبة الحوار معه وإقناعه بأي أمر وهو لا يدري.

وأضاف: "القاعدة السادسة تعتمد على "توفير حقوق البيت المادية المعنوية وتعويض النقص"، ومن هنا تبرز خطورة هذا المحور – تبعًا للـ م. البلعاوي – فالزوج قد يتفهم ضرورات خروج المرأة للعمل لأن كل شيء بثمن لكن الأبناء لا يتفهمون ذلك لعدم فهمهم لأعباء الحياة.

ونوه إلى أن حاجة الأبناء للأم أعظم وأكبر بكثير من حاجتهم للأب لذلك كان دورها أخطر وغيابها يؤثر أكثر، مشيرًا إلى أن احتياجهم للأم يتفاوت بناءً على عوامل عدة منها صحة الأطفال وأعمارهم والقدرة العقلية لديهم، إضافًة إلى تحصيلهم الدراسي واعتمادهم على الذات، ومدى توافر الطاقات والمواهب التي تحتاج لتعزيز ورعاية, ومدى تعاون الزوج لتغطية غياب الأم.

وأما القاعدة الأخيرة - وفقًا للبلعاوي - فهي "ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، "فالعلاقة الممتازة مع الله تعالى والحرص على الطاعة والتقرب إليه يجعل الإنسان تتذلل أمامه المشاكل والصعاب"، وحينها لا يحتاج إلى الكثير من المجادلة والنقاش مع الناس بل يسخر الله تعالى له من حوله لإسعاده، وحتى لو وقع في مشكلة أو مصيبة يستشعر فيها أن الله يبتليه وهو راضٍ عنه وليس ساخطًا عليه.

ملفات أخرى متعلفة