إقرأ المزيد <


تركيا ... وتر المثلث وتأثيره على الأزمة اللبنانية

محمد سيف الدولة
ثلاثاء ٣٠ ١١ / ٢٠١٠
سننطلق في بداية مقالنا بعيدا ً عما عنوناه به ، غير أن ذلك لا يعني خوضا ً في غمار ٍ لا يتعلق بذات الموضوع ، بقدر ما هو تمهيد لمفاهيم ومحاور أساسية سنتطرق إليها .

لقد تحدثنا في مقالٍ سابقٍ حول الفراغ القيادي الذي تفتقر إليه المنطقة العربية ، وحاجتها لرائدٍ يقودُهَا بحيث لا يَكذِبُ أهله ، وقلنا إن قوى ً مؤثرة ؛ تلاشى تأثيرها بفعل الفجوة التي أحدثتها بينها وبين شعوبها ، وكذلك بينها وبين شعوب المنطقة العربية ، في مقابل التقارب ؛ بل التماثل في الدور بينها وبين قوى الغزو الغربي بكل أشكاله ..

وقد شجع هذا الواقع وأعطى الفرصة لقوى ً جديدة ؛ أن تحاول سد هذا الفراغ ، ليس ترفا فكريا أو سياسيا ؛ بل دل على جديته وقائع عديدة سجلها التاريخ الحديث ، ولا زالت آثارها تخيم على المنطقة إيجابا لصالح بعض الأطراف ، وسلبا ضد أطرافٍ أخرى ، وتتأرجح درجات الإيجاب والسلب قربا من ، وبعداً عن المصالح العربية والإسلامية العليا ، في مقابل التبعية والارتهان الكلي لمنظومة الغزو الغربي كما أسلفنا .

وبالعودة إلى مفردات عنواننا ، والذي سنركز فيه على الدور التركي الآخذ في التفاعل في المنطقة العربية ، ومدى إسهامه في رسم ملامح جديدة ؛ ليس للمنطقة العربية فحسب ؛ بل لمنطقة الشرق الأوسط ، وسنحصر الجهود التركية في هذا الاتجاه ، في الزيارة الأخيرة لرئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان للبنان ، الذي شكل بها وتر المثلث ، إضافة للدورين السعودي والسوري على هذا الصعيد .

وبالرغم من حداثة الخبرة التركية بتعقيدات الملف اللبناني ؛ إلا ّ أن ذلك لم يمنعها من تفعيل الإرادة وبذل الجهد من أجل نزع فتيل الأزمة التي تكاد أن تطل برأسها ، نتيجة المكر الغربي ، وبعض التواطؤ الإقليمي والمحلي ؛ للفتك بلبنان ومقاومته التي استعصت على محاولات الكسر والاحتواء ، وقد شكل الدور التركي بلبنان دعما ً سياسيا واستراتيجيا بل وعسكريا للدولة اللبنانية ، من خلال تعهد تركيا وحرصها على منع أي حرب أهلية في لبنان قبل ظهور بوادرها ، والإعلان من على المنبر اللبناني أن أي حرب في المنطقة من قِبَلْ الصهاينة ؛ فإن الشعب الصهيوني لن يكونَ بمعزلٍ عن تبعات هذه الحرب ، كما دعا أردوغان إلى أن تكون المنطقة كلها في موقفٍ واحدٍ ضد القتلة الإسرائيليين ، كما أسهم الدور التركي في لبنان ، في توسيع الفجوة بين لبنان والجهود المبذولة لترويضه سعيا لإخراجه من محور الممانعة ، وضمه لمحور التبعية ، ترغيبا وترهيبا .

إن نجاح الأطراف الثلاثة في نزع فتيل الأزمة المرتقبة بلبنان ؛ مرهون بأمرين ، أما الأول: فهو مدى استيعاب الأطراف اللبنانية الداخلية لخطورة الحفرة المغطاة بالمصلحة اللبنانية وكشف الحقيقة ..

وأما الأمر الآخر فهو قدرة الأطراف الثلاثة على الجمع بين الفرقاء اللبنانيين على صيغة تحفظ لبنان من ويلات تـَبـِعَاتْ القرار الظني المرتقب ، وقدرة ذات الأطراف في التأثير على الجهات التي تقف خلف صياغة قرار المحكمة الدولية ، أو جمع الموقف اللبناني على عدم التعاطي مع قرار المحكمة ، ومعالجة الملف داخليا تحت سقف المصلحة العليا للبنان .

وبالرجوع قليلا ً إلى ما ذكرناه من تأثر بعض الأطراف سلبا وإيجابا ببعض محاولات سد الفراغ وسياسات التقارب ؛ فإن التقارب السعودي السوري الذي شابه اختلاف سياسات كلا البلدين تجاه الملفات: اللبناني ، والفلسطيني ، والعراقي ، فبعدما لعب الملف اللبناني دورا رئيساً في اتساع الفجوة بين سوريا والسعودية ، لعب ذات الملف دورا رئيسا في التقارب بين البلدين من جديد ..

كما أن التقارب التركي السوري والذي يُعد أحد أبرز الملفات التي تقلق أطراف الاحتلال الحديث بكل أشكاله ، والتي تتزعمه أمريكا والصهاينة ، وتنبع أهمية هذا الملف بالنسبة للغرب ، بسبب التحول الجذري والسريع في العلاقة بين تركيا وجارتها الجنوبية ،اللتين كانتا قبل عهدٍ قريب قد شهدتا تصعيدا عسكريا ، بعدما منحت سوريا حق اللجوء السياسي لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان ، لكن سرعان ما تحول هذا المشهد إلى نواة لما بات يُعرَفُ " بالاتحاد الشرق أوسطي " من خلال تشكيل سوريا وتركيا مجلسا ً وزارياَ مشتركا ، ليكون بديلا ً ومُعَادِلا إقليميا للاتحاد الأوروبي ، وكذلك اتفاق تركيا وسوريا ولبنان والأردن على تكوين منطقة للتجارة الحرة بينهم لنفس الهدف .

هذا التقارب التركي العربي ، أزعج أوروبا كثيرا كونه جاء على حساب العلاقة التركية وطبيعتها بالغرب ، ومن هنا تبرز من جديد قضية مهمة ، وهي نظرة أوروبا والغرب بشكل عام للمنطقة العربية والإسلامية ، وحرصهما على بقائها مفككة ومستباحة ، فتكوين الاتحاد الأوروبي وإنشاء السوق الأوروبية المشتركة ؛ حلالٌ للغرب ، في حين أن أيّ نوع من التقارب ؛ حرامٌ على العرب والمسلمين من كل قطرِ، كما أن التقارب الغربي سعيا للهيمنةِ على مقدرات الشرق وبكل الوسائل ومنها الاحتلال ؛ لا يُعَدُّ إرهابا ، بينما أي تقاربٍ عربي ٍ أو إسلامي ، فإن تهمة الإرهاب وزعزعة الاستقرار ، خير وصفٍ غربيّ ينطبقُ على أطرافِ التقارب ، الأمر الذي يستدعي المعالجة الغربية التي ربما تصل لحدِّ الاحتلال ، والقضاء على شعوب وأنظمة برمتها .

أما أولئك الذين تأثروا إيجابا بالتقارب التركي العربي ، فإنهم يوقنون أن المكوث تحت العباءة الغربية الصهيونية المهترئة ، لن يزيدهم إلا ّ بعدا عن شعوبهم وأمتهم ، وسيورثهم مزيدا من العزلة ، وعندها لن تفلح الرافعة الغربية ، من إنقاذهم من مستنقع الهبّات الشعبية ، التي ستنطلق من أجل التخلص من هذه الكوابيس السياسية ، التي نَصّبَتْ نفسها على رقاب الشعوب وصادرت إرادتها ومقدراتها ، حفاظا ً على مواقعها وأرصدتها .

إن الدور التركي بكل مفرداته في المنطقة العربية ، وتعامله بالندية مع القوى الغربية ؛ يجب أن يكون نموذجا ً يُحْتذى به عربيا وإسلاميا ، كما أنه وحتى هذه اللحظة ، فإن خطوات تركيا الجديدة في المنطقة العربية لم يُسَجّل عليها أنها خَطَتْ ضد مصالح أي ٍ من الدول العربية ، بخلاف آثار الخطوات الأمريكية التي لم تترك خلفها إلا ّ صور القتلى والأشلاء والدمار ، وتمزيق الصف العربي ونهب مقدراته وثرواته ، وتنصيب أنظمة ؛ دورها الأساسي إطالة هذه الحالة العربية إلى أقصى حد ، وما الأمثلة العراقية والأفغانية والباكستانية والصومالية ..

وليس آخرها الخطوات الأمريكية باتجاه تقسيم السودان ؛ إلا ّ دليل على ما يُبـَيّتهُ الغرب للبلاد العربية والإسلامية من نوايا سيئة ، ومن هنا تنبعُ أهمية التعويل على الدور التركي ، بديلا ً عن الدور الغربي ، الذي لم نجن منه طيلة القرون السابقة ، إلا ّ الحالة التي نحن عليها من التفكك والتشرذم وسباق الولاء والتبعية .

ملفات أخرى متعلفة