الحرية والديمقراطية وجبروت الحاكم

إسماعيل عامر
الجمعة ٠٨ ٠٥ / ٢٠١٥
عند سماع كلمتي حرية وديمقراطية تنشرح النفس وتبتهج, ويظن الكثير أنها هي العصا السحرية التي بها سيضرب الشعب الأرض فتخرج له الكنوز والحياة التي ملؤها الرغد والسعادة, إن فكرة الديمقراطية في وقتنا الحاضر تغزو العالم، ولكن توضع العراقيل أمامها في العالم العربي تحديدًا, مع أن حرية الرأي والتعبير دعا لها الإسلام الحنيف والشعوب العربية نسبة المسلمين فيها كبيرة, فلماذا هذا التناقض؟!، فلماذا الأنظمة والحكام الدكتاتوريون يخشون هذه الكلمة (الديمقراطية)؟!؛ ففي العالم العربي يستدعى كل من يكتب أو يتفوه بكلمة نقد للحاكم، مع أنه في عهد الصحابة عندما حكموا البلاد والعباد كان إذا تولى أحدهم الحكم خطب في الناس: "أيها الناس، إذا رأيتم فيّ اعوجاجًا قوموني", ولنا قدوة حسنة بأبي بكر (رضي الله عنه), وقال آخر لعمر بن لخطاب (رضي الله عنه): "والله، لو رأينا فيك اعوجاجًا يا ابن الخطاب لقومناك بسيوفنا".

فالناس عامة لا يكترثون بالبحث عن الأسس الفلسفية أو الفكرية التي تنطلق منها الديمقراطية، بقدر ما يهتمون ببعض المظاهر والممارسات السياسية التي يرتاحون إليها، ويثنون عليها ويودون أن تكون جزءًا من واقعهم؛ لعلهم ينعمون بالخيرات التي تنعم بها الشعوب التي أقامت نظمًا سياسية ديمقراطية.

فالديمقراطية _حسبما عرفها (مونتسكيو)_ تحكم على أساس الفضيلة السياسية، وتعني حب الدولة وحب المساواة، وفي ظل النظام الديمقراطي إن المواطنين يختارون وفقًا لمبدأ المساواة وإمكاناتهم وقدراتهم، والسلطة التشريعية يجب أن تكون بين الأفراد، والتصويت يجب أن يكون عامًّا.

لا شك أن الحرية والمساواة مفاهيم تتوق إليها النفس الإنسانية التي بطبيعتها ترفض العبودية والظلم، ولذا نجد التغني بالديمقراطية وعدّها الحكم المنشود لكل شعب مضطهد مظلوم ينطلقان من هذين الشعارين اللذين ترفعهما.

والحرية بالإجمال هي قدرة الفرد على اتخاذ قرار، أو تحديد خيار من عدة إمكانات موجودة، دون أي جبر أو ضغط خارجي, وتعرف أيضًا بأنها التحرر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه، سواء أقيودًا مادية كانت أم قيودًا معنوية، فهي تشمل التخلص من العبودية لشخص أو جماعة، والتخلص من الضغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما.

فالحق كل الحق لكل مواطن أن يختار من يناسبه لتمثيله في جامعة ما أو في حكومة ما, وليس من حق الحاكم أن يمنع أحدًا، ويترك العنان لعناصر السلطة بملاحقة من فاز أو من اختاره مجموعة من الناس ليمثلهم, فأين _إذن_ حرية الرأي؟!

في واقعنا العربي بوجه عام وواقعنا الفلسطيني بوجه خاص لا يوجد حرية للرأي ولا يوجد ديمقراطية, فهذه الشعارات تستعمل في المناسبات الوطنية فقط، وفي باقي الأيام تقاوم بحد السيف, فأكبر دليل على ذلك انتخابات عام 2006م وفوز حركة حماس فيها, فالطرف الخاسر للانتخابات تعامل وكأن ليس من حق الشعب اختيار غيره, فكان مسلسل تأليب العالم والمجتمع الدولي على حماس، ومحاصرتها, وأصبحنا نسمه بمصطلح الشرعية الذي فسر بمفهومه المغاير, الشرعية لمن اختارهم الشعب، وليس العكس, وهذا هو حال الدول العربية عمومًا.

من حقي بصفتي مواطنًا فلسطينيًّا أن أكتب المقالات والعبارات التي تحقق لي حرية الرأي وحرية التعبير عما يجول في خاطري, والاعتراض على كل شيء أرى فيه الخطأ, وليس من حق الحاكم أن يلاحقني ويطاردني ويرسل إلي الاستدعاء لمقابلة أجهزة الأمن, تحت مسمى تعكير صفو الأمن, من حقي بصفتي طالبًا جامعيًّا أن أختار الأمين الذي يمثلني أمام رئاسة الجامعة ويدافع عن حقوقي, من حقي بصفتي مهنيًّا أن أختار الأمين, ومن حقي أن أتقاضى راتبي بصفتي موظفًا، وليس من حق الحاكم أن يتلاعب في رزقي, ومن حقنا _الشعب فلسطيني_ أن ننعم براحة البال التي فقدناها منذ سنين, ومن حقي أن يحترم رأيي, وأستحضر في هذا المقام قول الإمام الشافعي (رحمه الله): "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، فهي دعوة صادقة بأن أتقبل الرأي الآخر ولا أعارضه إلا بحدود الأدب والاحترام.

نقول: كفى للاستخفاف بعقول الناس وبحق الشعب وكرامته, فكرامة الشعب الفلسطيني لا يمكن الاقتراب منها, فليس من حق الحاكم ولا ومن حق أي دولة معاقبة شعب اختار فلانًا لتمثيله، ومنعه من السفر بحجة الأمن وخلافه؛ فديننا الحنيف دعانا لاحترام الإنسان واحترام عقله وفكره.

ملفات أخرى متعلفة