إقرأ المزيد <


أيها "الأحياء".. أنتم محظوظون فما زال أمامكم فرصة "للاستعداد"

"نَعْيُكَ" بالصحيفة "خبرٌ يَقينيٌّ قادم"..شئتَ أم أبيت!

تقصّها- هديل عطاالله
عزيزي القارئ: لا أعرف إن كان قد استرَعى انتباهك من قبل أن كل ما مضى مَن "صفحاتٍ" سَطّرتها "فلسطين" وسواها من "الصحف"، إنما تتركّز على "الدنيا" بمختلف شئونها والتي تشكّل محور "معالجاتنا الصحفية"؟!..ولكن هذا أمر طبيعي..أليس كذلك؟!!..نعم أتفق معكم..بل إنه "قمة الطبيعية"..

ومِن "الطبيعيّ" أيضاً أن "الأحياء" هم فقط من نحاورهم لأجل معرفة آرائهم وتجاربهم في مختلف الميادين، ولكن في المقابل سنطرح سؤالاً آخر:"لماذا اعتدنا أن نفكر بأن الحياة التي نعيشها هي آخر محطةٍ فعليةٍ لنا، وما بعدها من شيء آخر؟!"..

حسناً المنطق يقول إننا من المهم أن نتحدث عن التفاصيل الصغيرة في يومياتنا..عن حربٍ قادمة..عن الحصار..عن الطلاق..عن إقامة الدولة الفلسطينية..عن أحلام المستقبل..

وعن الأشياء الجيدة والسيئة معاً، ولكن في خضم عراكنا مع الحياة التي تسرقنا ونحاول أن نسرقها، سنكون محظوظين إن ظهرت لنا "نقطة نظامٍ تحذيرية" مفادها: انتبه أيها الإنسان المسلم..فهناك "حياةُ أخرى" سيكون فيها مستقرّك الأخير، وأن الموت الذي تخطّاك إلى غيرك سيتخطى غيركَ إليك.

قرّائي الذين لأجلهم أواصل الكتابة: في صفحة "دنيا وآخرة" التي ستطالعونها كل "يوم أحد" لن أستضيف – كما جرت العادة-شخصيةً مرموقةً أو مواطناً من الشارع، ولكني من آلاف القصص التي نعيشها أو نسمع عنها سأستعير "أبطالاً افتراضيين" ثم أُسقِط عليهم ما سيجري فعلياً في المراحل المختلفة للدار الآخرة، وفقاً لقاعدة "كل بما كسبت يداه"، وذلك عبر استقاء "الدليل الشرعي" من "علماء الشرع الحنيف" الذين عُرفوا بإلمامهم في هذا النوع من الحديث "المخيف" و"الشيّق" مثل الشيخ عمر عبد الكافي، والشيخ محمود المصري، وغيرهم..

تعالوا معنا نعيش "قصة اليوم" والتي من خلالها سنجيب عن أول تساؤلٍ قد يخطر ببالنا:"لماذا جعل الله لنا "الدار الآخرة".

كلا.. ليس الحزن على فراقك هو ما يبكيني يا هاني، وليست السنين الطويلة التي جمعتني بك وجعلتنا "الأصحاب الأنتيم" هي ما تمطر دموعي بِحرقة، تلك أسبابُ "أخرى" لحزني، ولكن فاجعتي الكبرى أنني اكتشفتُ يا صديقي ما فاتكَ أن تعرفه قبل أن تموت، ويقيناً أنت الآن تراه وتعرفه أكثر مني.

ها أنا أنفضُ ثيابي من التراب بعد أن هِلتُه عليك ووضعتُ الرخام فوق جثمانك..لنتركك وحيداً مع عذابٍ أو نعيم، لقد فعلتُ هذا "الشيء الصعب" ودفنتُك رغم أنك لم توصني بذلك، لأنه بكل بساطة لم يخطر لك هذا الأمر من قبل!.

يا من تسمع "قرع نعلي" وأنا أغادرك..ها أنت أصبحتَ في "بطن الأرض" بعد أن كنتَ على ظهرها قبل ساعاتٍ فقط تلهو وترتع مع صديقك دون أن نقف للحظة ونتساءل عن نهاية الطريق..أضربُ رأسي في الجدار كلما تذكرتُ كيف كنا نسخر من أي كلمةٍ عابرة عن الموت لنردّ بصوتٍ واحد:"يا أخي وقت الله يعين الله"، كنا نعتبرها "سيرةً تغمّ"..وبـ"غفلتنا" اقتنعنا أننا حين ننساها ستُلغى من حياتنا، لذا لم نعد نستعد للموت وما بعده..ولكن هل "للنسيان" أن يُنجِي مما سيأتي؟!.


أنا وهاني شبابٌ في الثلاثين من عمرنا، ترافقنا منذ كنا طلاباً في "كلية التجارة" قبل عشر سنوات، وتوطّدت علاقتنا حين جمعنا القدر مرةً أخرى لنعمل في شركةٍ واحدة، وحتى تكون الصورة واضحة فقد كنا "شباباً عاديين"..

أي لا "ملتزمين" ولا منحرفين، بمعنى أخرى كنا كعامة الناس نصّلي الفرائض ونصوم رمضان، وكغيرنا لنا من "الزّلات" التي نحقّر من شأنها ونفعلها كأنها "لا شيء"، وفي الوقت ذاته لم يكن في قاموسنا أساسيات الإيمان مثل صلاة الفجر و"الورِد اليوميّ" من القرآن، كما في تربيتنا لم يشدد آباؤنا علينا بأننا خُلقنا في هذه الحياة لحمل أمانةٍ أبت أن تحمَلها السموات والأرض والجبال، كان أقصى ما نفكر فيه هو المستقبل، ماذا سنفعل وكيف سننجح ونجني مالاً أكثر، ولم نكن ندرك أن أخطر حدثٍ مستقبلي على الإطلاق هو الموت الذي به ستبدأ حياةً أخرى ستنتهي بنا إلى الجنة أو النار..

نعم إنهما الجنة والنار "مصيرنا جميعاً"...الجنة والنار اللتان أصبحتا مجرد كلمتين في حديثٍ نعتبره ممِلاً وسوداوياً رغم أن له من الجانب المشرق تماماً كالجانب المخيف.

ما صدمني أني كنت أعتقد بأن "عمر الثلاثين" في مأمنٍ عن "النهاية"، ففي ذلك اليوم تناولنا الغداء سوياً، وأخذ هاني يحكي لي خُططه حتى عشرين سنة قادمة، سيسافر إلى أوروبا، وينفذ مشروعات تجارية، وسيسحق "حيتان السوق"، ويتزوج من فتاةٍ جميلة وينجب ثلاثة أبناء فقط، كانت كلها خطط خالية من كلمةٍ واحدة.. إنها "الله"..

لم يورد أبداً في خططه أداء حِجةٍ أو "عُمرة"، أو مشروعٍ خيري يساعد به المحتاجين، نحن حتى لم نكن نصلي على نبينا محمد إلا نادراً، هذه هي طريقة حياتنا "عايشين ومش عايشين"، غادرته يومها وهو في تمام عافيته على أن نلتقي في المساء، لا كي نصلي العشاء في المسجد، بل لنشاهد فيلماً للفرفشة، ويحلّ المساء.. ويرن هاتفي.. ويخبرني المتصل:"هاني ماااااات"..

في البداية أعتقدتُ أنها "مزحة"، وإذ بـ"الموت الفجأة" يرفع "الغشاوة" عن عيني، وفي "ظرف ساعة" أصبحت "طبعة صحف المساء" عليها إعلان "نعيٍ" ألغى كل مشاريعك..مكتوبٌ فيه آية ما اقشعّر بدني لها كتلك اللحظة:"كلُ نفسٍ ذائقة الموت"..لم أتصور أن الموت سيسلبك حتى اسمك يا هاني، فعندما أردنا دفنك كانت هناك عبارة يرددها المشيعون بلغتنا الدارجة:" ريحوا "الأمانة"...هاني "الشاب الرِوش" أصبح اسمه "أمانة".. أمانة حان وقتها كي تسترد ولم يعد لها سوى قبرٍ يسمونه "صندوق العمل".


تباً لنا ما أغبانا نحن بني البشر...لو كنا نحسب حسابنا بأن لكل "أولٍ" آخر..ولو أننا رأينا المستقبل على حقيقته لاستعجلنا في توبتنا عن الذنوب التي نرتكبها، ولرضينا بالقليل، ولتركنا المشاحنات والمكائد التي نحكيها ضد بعضنا، وهذه الأشياء الثلاثة لم تتأتّ لنا لأننا لم نتذكر الموت ولذا عاش كلانا بعيداً عن طمآنينة الروح"...كنا سعداء من الخارج ولكننا أشقياء في داخلنا دون أن نعرف السبب وها نحن قد وجدناه..ولكن ما فائدة الإجابة حين تأتي بعد فوات الأوان؟!..

وتجري السنين وكأنها قطار سريع ...وها قد تغيّر حال صاحبك إلى درجة أنك لو خرجتَ من قبرك فلن تعرفني، كلا لم ارتد جلابيةً بيضاء طويلة، ولم التح، ولم اعتكف دائماً في المسجد، ولم أصبح متزمتاً، أو ليس هذا اعتقادنا "السطحي" المغلوط عن ديننا لذا فررنا منه إلى أحضان الدنيا التي تخلّت عنك ولفظتكَ إلى "هناك"!!، التغيير بالنسبة لي بدأ من داخلي..من سلوكياتي، بقيتُ طموحاً نشيطاً ناجحاً ولكن الفارق الوحيد أن كل خطوةٍ أفعلها أسأل نفسي:"أسيرضى الله عني هكذا؟!"..لقد أصبحتُ أملك هذه الدنيا في يدي دون أن تملك هي قلبي!!.. هو فارق إياكم أن تستهينوا به لأنه قلبَ حياتي من حيرةٍ غريبة إلى رضا عجيب.

كان أول شيء فعلته هو قرار اتخذته بحسبةٍ بسيطة وخطيرة في ذات الوقت، هو أني تخيلتُ لو أن لديّ بيتين، أحدهما أقضي فيه ساعة واحدة، والثلاثة والعشرين الباقية أقضيها في بيتٍ آخر، ولو كان معي مال يكفي فقط لتشطيب أحدهما، فعندئذٍ بالتأكيد سأشطّب البيت الثاني، وهذا التشبيه المجازي ينطبق على الآخرة والدنيا التي قالوا عنها إنها "ساعة، فاجعلها طاعة، والنفس طماعة فالزمها القناعة"، وهي "قنظرة" فأعبرها ولا تعمرّها.

أنا الآن يا أعزائي "الأحياء" منكم والأموات...في كل صباحٍ أصحو فيه ابتسم واستبشر خيراً لأن الله أخّر أجلي وأعطاني فرصة "يومٍ جديد" حتى أتوب وأصلّح في نفسي وفيمن حولي، وكلما ضعفتُ وهممتُ لفعل معصية تذكرتُ مقولة الإمام الغزالي الرائعة:"ويحكِ يا نفس لو أن طبيباً منعكِ من أكلةٍ تحبينها لاشك أنك تمتنعين عنها، أيكون "الطبيب" أصدق عندك من الله؟!".


قضيتُ وقتاً طويلاً وأنا أسأل نفسي لماذا خلق الله الآخرة، ولمَ بالغ القرآن والسنة في ذكرها حتى أنه أسماها "النبأ العظيم"، لماذا لا نعيش على هذه الأرض حياةً أبدية!، ولمَ كل هذا التعب بالمرور بمراحلٍ عديدة لا نعرف عنها إلا أسماءها ابتداء من سكرات الموت، وصعود الروح إلى السماء، ونزول القبر وعلامات الساعة الصغرى والكبرى، والنفخ في الصور، والحشر والنشر، وحوض النبي والميزان، وشكل الصحف والعرض على الله، والمرور على الصراط، والقنطرة، وصفات النار والجنة.

وبعد طول بحثٍ وتفكير توصلّتُ أنه لو لم يكن هناك آخرة لفسدت الدنيا، دعوني أقولها بصراحة: لولا الآخرة ما تبنا عن أي معصية، وما جاهدنا في فعل أي طاعة، فلمَ أفعل ذلك كله وليس هناك من ثواب أو عقاب؟!، لأقبلنا على ملذات الدنيا وفعلنا كل ما اشتهينا بدون رادع، لمَا وقفنا بين يدي الله ومشاعر الرجاء والخوف تتملكنا...كلنا بلا استثناء كنا سنفعل ذلك..ولكن "أيحسبُ الإنسان أن يترك سدى"؟!.

من شدة خوفي عليك يا هاني أخشى أن تكون ممن سيشاهدون هذا المشهد الذي تلوح صورته أمامي كلما أرادت الدنيا أن تسحبني إليها، وهي ما أخبر به القرآن حين يأتي "خزنة جهنم" أمام ناظريّ "أهل النار" ويضعوا منبراً في قعرها فيأتي شخص ويصعد ويخطب فيهم...وحين يستدير هذا الشخص..تكون المفاجأة..بأنه "ابليس"..

أما مضمون "خطبته" فهو كما في قوله تعالى: "وقال الشيطان لما قُضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوُتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذابٌ أليم"..نعم إنه إبليس ذاته الذي يغرينا الآن كي نظلم ونكذب ونسرق وندخل في علاقاتٍ محرمة ونسيء إلى أنفسنا وغيرنا...سيأتي اليوم الذي يعلن فيه براءته من الغافلين الذين تبعوه.

لو لم نؤمن "بالآخرة" لأصبحت حياتنا "غابة" أكثر مما هي الآن..لما كان المظلوم سيأخذ حقه من الظالم، لما كان سيتحقق العدل، لعاش كل "المغبونين" حياتهم بحسرة ولزاد "القوي" بطشاً، لذا أعطى الله وصفاً دقيقاً يوم القيامة بقوله: "الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ".

ويبقى يشغلني ذاك السؤال يا هاني..بمَ ستجيب الله حين تقف بين يديه ويسألك "عن عمرك فيمَ أفنيته، وشبابك فيمَ أبليته".. لو كنت تدرك كل ما فات لحاسبتَ نفسك من أجل أن تستعد للرحلة الطويلة، و لعلت همتك، لصليت ركعتيّ قيام ليل حتى تنير قبرك إلى أن ينفخ في الصور، بدلاً من "سهر الليالي" في وقت ينزل فيه الله إلى السماء الدنيا ليقول: "هل من داعٍ فيستجاب له"..لكنتَ بكيتَ بين يديه حتى تستظل بعرشه يوم القيامة بدلاً من أن تغرق بعرق ذنوبك...ولو تعلم كم أُشفق على الناس الذين يظنون بأن القيامة بعيدة بينما في الحقيقة أنه إذا مِتنا قامت قيامتنا.


أتعلمون أني وكل من يقرألي محظوظون أن الفرصة لا تزال أمامنا طالما أننا نتنفس..آآآآهُ يا هاني لو أنك سألتني يوم كنت حياً عن طريقةٍ نمتنع فيها عن المعصية لما عرفتُ أن أجيبك..

أما الآن فأنا يمكن أن أنصح أصدقائي ممن لا يعرفون كيف يتوبون بفعل خمسة أشياء وفقاً لما قاله أحد الأئمة:"إذا أردتَ أن تعصي الله فلا تسكن أرض الله..ولا تأكل من رزق الله..وإذا أردت ذلك فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه الله، واذا جاءك ملكُ الموت يقبض روحك فقل له أجلّني قليلاً حتى أتوب، وإذا جاءتك زبانية جهنم فلا تذهب معهم"...ويحنا يا هاني!!..

وهل سنجد أرضاً غير أرض الله..ورزقاً غير رزقه...وكيف لا يرانا وهو يعلم خائنة الأعين، وأنّى لنا أن نوقف ملك الموت ونحن نعلم بأنه "إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون"، وكيف سنرفض الذهاب مع "الزبانية" وهم الغلاظ الشِداد؟

صديقي هاني..منذ متّ وأنا اعتبر موت كل شخصٍ على وجه الأرض "رسالةً شخصيةً" لي بأن دوري قادم..لذا منذ ذلك اليوم ودموع قلبي تخشع حين أدعو الله في كل صلاة أن يغفر لك ويدخلك فسيح جناته لكني لا أعرف إن كان سيستجاب دعائي..

منذ متّ وأنا أرددّ بأن "غلطتنا الكبرى" هي أننا لا نستثمر "تقسيمة العمر"..فنحن في الأغلب نعيش ستين عاماً.. ننام ثلثها، و"الثلث الثاني" نقضيه في العمل..أما الثلث الأخير نقضيه ما بين طعامٍ وشراب وعلاقات اجتماعية ونشاطاتٍ مختلفة، يعني أن اجتهادنا في الخير لا يتطلب أكثر من أربعين عاماً"..

هذا بالطبع إن منّ الله علينا بأن نعيش "العمر الطبيعي" وليس كمن عاشوا فترةً قصيرة كـ "هاني"..إنها "حسبةً" لا يفعلها إلا الأذكياء، فهذه السنوات القليلة قياساً بالدار الآخرة ستكون نتيجتها الخلود في الجنة أو النار، وكما قال الحبيب:"ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ "المخِِيط" غرسُ في البحر من مائه"..فهل جربّ أحدكم أن يغمس "إبرةً" في البحر..فكم من قطرة ماء ستأخذ؟!.. لا شيء.. لا شيء..

ملفات أخرى متعلفة