الربيع العربي تداعيات تحتاج لثورة تصحيحية

محمد مصطفى شاهين
الجمعة ١٠ ٠٤ / ٢٠١٥
(1)
لقد شهدت منطقتنا العربية حركات شعبية من أجل الخروج على الوضع السياسي المتصدع فيها، وكان وقود هذه التحركات الثورية عدم الرضا عن الظروف القائمة والتطلع نحو الأفضل, بداية الربيع العربي كانت في تونس، وقد نالت هذه التحركات إعجاب وتقدير العالم؛ لامتيازها بالسلمية، وأنها شكلت صرخة في وجه الفساد والمحسوبية على كل مظاهر الانحراف التي أسستها الأنظمة الاستبدادية الفاسدة في البلاد، لقد كسر الربيع العربي حاجز الصمت وأثبتت الشعوب بهذه التحركات عدم دقة حسابات الأنظمة، وشكل ذلك مثالًا للشعوب المظلومة التي مازالت أنظمتها القمعية تجرم كل محاولة للإصلاح فيها.

(2)
ومن جهة أخرى إذا ما شاهدنا الأخطاء والتراكمات التي نتجت عن الربيع العربي؛ فإننا سنعيد النظر في تسميته الربيع العربي؛ لأن آثاره السلبية على الشعوب وعلى اقتصاد الدول الثائرة كانت كبيرة جدًّا، وكذلك من الناحية السياسية أدى إلى ظهور جماعات وتيارات متشددة فعلت بالشعوب أكثر مما فعلته الأنظمة الاستبدادية، وأخرى مرتهنة للتعليمات والأوامر الخارجية، لعل أصدق مثال على ذلك الوضع في ليبيا وسوريا واليمن.

لقد انتقل الربيع العربي من حركة عادلة لإسقاط الظلم إلى نزعات انقسامية، تدعو لتفتيت الدول العربية وتقسيمها إلى دويلات هنا وهناك وفق رغبات الغرب، ولعل ذلك ما أسمته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون "الفوضى الخلاقة" في كتابها "خيارات صعبة"، وهو ما شهدته منطقتنا بالفعل.

(3)
تحتاج دول الربيع العربي الآن لثورة تصحيحية تحقق بها أهداف الربيع العربي الحقيقية القائمة على أساس مشروع وطني يستوعب كل التيارات الوطنية؛ فالآثار السلبية للثورات تزيد من معاناة الشعوب؛ فالفقر والبطالة تفشيا، وكذلك الظلم والاستبداد، فسقوط الأنظمة السلطوية ظاهريًّا لم يوصل الربيع العربي إلى مرحلة التمكين؛ فالدولة العميقة وحلفاؤها من دول الغرب أرادوا جر الدول العربية إلى حروب أهلية تستنزف ثرواتها المادية، وتنهك قدراتها العسكرية؛ استعدادًا لتقسيم جديد للمنطقة (شرق أوسط جديد)، لقد أحدث الربيع العربي (الفوضى الخلاقة) هزات اجتماعية وسياسية في المنطقة أكثر عنفًا وعمقًا مما فعلته الأنظمة الفاسدة، إضافة إلى التراجع الاقتصادي نتيجة الخسائر التي تكبدها الاقتصاد، فقدر تقرير لمجموعة (جيوبوليس) للاستشارات أن تكلفة الربيع العربي 50 مليار دولار، وأن في إيرادات الدول تراجعًا، فمثلًا: تراجعت الإيرادات في ليبيا بنسبة 82%، وتراجعت إيرادات اليمن بنسبة تبلغ نحو 77%، ومهد ذلك للتدخل الأجنبي تحت مظلات وأشكال مختلفة في المنطقة العربية.

(4)
الثورة التصحيحية لمسار الربيع العربي هي واجب وطني ينبغي أن يقوم على أسس الحكم الرشيد (مشاركة سياسية وسيادة للقانون والشفافية والمساءلة)، وترتبط جميع هذه العناصر بتمكين الشعوب من ممارسة الحريات العامة في مختلف نواحي الحياة بعد القضاء على الفساد والتيارات والأحزاب المرتهنة لدول خارجية أجنبية وإقليمية، وينبغي تعزيز التعددية السياسية والديمقراطية الفاعلة التي تعبر عن إرادة الشعوب وصولًا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية السياسية. وعلى صعيد متصل إن مبدأ سيادة القانون وتطبيقه على الجميع من أهم مبادئ الحكم الرشيد، وخطوة أساسية في سبيل تحقيق ثورة تصحيحية تنهض بدول الربيع العربي، وتجنب أهلها مزيدًا من الأزمات.

الثورة التصحيحية ينبغي أن تستند إلى إبعاد التيارات التكفيرية، والأحزاب الموالية للدول الغربية، بتحركات جادة من جميع أطياف المجتمع من مفكرين ووطنيين وعلماء ورجال دين، بذلك كله وبخطة حقيقية للنهضة ولحماية الشعوب وحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية نكون قد حققنا ثورة تصحيحية، تعيد الربيع العربي إلى مساره الحقيقي العادل الذي ناضل من أجله الشرفاء، وقدموا في سبيل هذا الإصلاح الغالي والنفيس.

ملفات أخرى متعلفة