إقرأ المزيد <


الجزاء من جنس العمل فاحذره

تتبع عورات المسلمين.. "مرضٌ" يصيب "القلوب"

قد يعيش الإنسان حياة مستقرة بحلوها ومرّها، راضياً بما كتب الله له، ولكن هناك من يأبى إلا وأن ينغّص صفو العيش ويحوله إلى كدر، فيتدخل في أمور الغير ويكشف أسرارهم ويعمل على إشاعتها بين الناس، وربما يحمله الأمر إلى أن يكون باحثاً متعقباً عن عورات المسلمين وعن سقطاتهم وفلتات كلماتهم ناظراً أو مستمعاً، وقد يتجرأ فيدخل بكلامه إلى داخل قلوبهم وإلى خبايا نياتهم وخصوصياتهم، فيشيع البغضاء والمشاحنات، ويخسر رضا الله، فينشغل بعيوب الآخرين عن عيوب النفس:


"سامي" هو أحد المتضررين من تتبع البعض لخصوصياته وفضحها، ويقول:"كنت أعمل في مؤسسة خاصة وبجواري أربعة من الزملاء، لاحظت مؤخراً أن أحدهم يبحث عن إخفاقاتي وسلبياتي ويحاول فضحها بكافة الوسائل المتاحة أمامه، ومن هذه الوسائل جهاز الحاسوب الذي أعمل عليه، فقد فاجأني زميل آخر في أحد الأيام بأن الأول قام بتسجيل محادثاتي الإلكترونية وتجسس على خصوصياتي عبرها، مما دفعني للتوجه إليه وسؤاله عن سبب ذلك، فأنكر الأمر بداية، وبعدما حاصرته بحديثي فقد ادعى أن هذا الفعل من باب الفضول ليس إلا!!".

وبدا سامي أكثر ضجراً حينما علم بأن جاره المسنّ لا يتوارى عن التنصت عليه، والتحدث إلى بقية الجيران عن علاقته بزوجته وأبنائه، معتبراً أن ذلك ينم عن حماقته ودونية تفكيره –كما يقول-.


أما "فداء" ابنة العشرين فلم تبدِ خجلاً من كونها تستغل تقنية الإنترنت في فضح أسرار "صديقاتها"!، والبحث عما يخفينه عن بعضهن البعض، معتقدة أنها بذلك لا تنتهك محرماً بل إن اختراقها لأجهزة الحاسوب الخاصة بهن والعبث فيه لا يدلل إلا على ذكائها الفذ، وقدرتها الفائقة على الاختراق!.


أما رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الأقصى د.محمد العمور، فأكد بامتعاض أن تتبع العورات هو فعل من باب التجسس المنهي عنه تحريماً مطلقاً ومصداقاً لذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم :"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتتبع عورات المسلمين يتتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته"، وقد أعطانا عليه الصلاة والسلام حكماً شرعياً لمن يتتبع عوراتهم بالاطلاع عليها ميدانياً كالنظر إلى بيوت الغير من النوافذ، وغيره وذلك حينما قال "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه" وهو منتهى النهي عن تتبع عورات المسلمين.

ومن ذلك أيضاً ما حصل مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حينما وجد جماعة يشربون الخمر، وتتبعهم لمعاقبتهم، فقالوا له: نحن ارتكبنا محظوراً واحداً وأنت ثلاثة فعفا عنهم لذلك.
ويعد التتبع وفقاً للدكتور العمور، أمارة على أمور عدة، أولها سوء التربية، وقال: "فمن يتحلى بتربية صحيحة مستقيمة لا يكشف العورة بل يهمه أن يسترها، وهو أيضاً علامة على ضعف الإيمان، لأنه بذلك يستهين بالعقاب وبعورات الناس فهو أضعف الناس إيماناً، وكذلك هو من علامات مرض القلب، لأن المتتبّع يأتي بالمعاصي والسيئات ومن بينها".


وحذّر من تتبع حال المسلم ومعيشته وما يتعلق بحياته الخاصة، فلا ينبغي لأحد الاطلاع عليها، لما يحمله هذا الأمر من عواقب وخيمة، كزرع الضغائن والأحقاد، لا سيما وأن المتتبع ينتهك عرض ومال وحرمات المسلم، وكذلك خصوصياته، مشدداً على أن كل حرز "والحرز هو ممتلكاته الخاصة كالبيت والسيارة والحاسوب" للمسلم هو حرمة له وحرام على غيره، ولا يجوز له الاطلاع عليه إلا بإذنه، وإن وجد فيها سراً فلا ينشرها للغير، "وإن ما يقوم به الكثير من اختراق أجهزة حواسيب الغير والعبث في ملفاتها هو منتهى انتهاك الحرمة ".

وبلهجة أكثر حدة، بيّن أن تتبع العورة يوقع في العورة ذاتها لأن الجزاء من جنس العمل، ومن يتتبع عورات الناس فسيفوض الله له من يتتبع عورته ولا تأخذه به رأفة، نافياً زعم بعض متتبعي العورات بالقول بأنهم يقومون بذلك بهدف تقوية نقاط الضعف الإيمانيِّ لدى غيرهم، "هذا فعل لا يجوز على الإطلاق، لأن المؤمن يستر ويفضح والمنافق الفاجر يهتك ويعير، ومن أراد النصح فإن ذلك لا يكون إلا بالستر، لا الفضح، فإن كنت مؤمناً مخلصاً في محبتك لإخوانك فاستر عليهم قصورهم وعيوبهم، ثم اخلص بالأسلوب الحسن والحكمة والموعظة الحسنة إلى قلوبهم وإلى آذانهم وإلى عقولهم، وانصحهم بالتي هي أحسن".


وعن التجسس وتتبع العورات في العمل، فقد أوضح أنه جرم مضاعف فهو تتبع لعورة منهي عنها، ويعد أيضاً خيانة لعلاقة إخوة في العمل أو الجامعة وخيانة في مبدأ العلاقة الإنسانية، وهنا الإثم أعظم والعقوبة تكون أشد.

ولفت د. العمور إلى العقوبة في الدنيا والمتمثلة في نشر البغضاء والفحشاء وقطع الأرحام كما أنه يمشي بين الناس ذليلاً، وفي الآخرة حيث يعذّب في قبره، ويلحق به خسران مبين لأنه يحل عليه غضب الله لمخالفته أمره في النهي عن التجسس, ومن يخالف فإنه يحلل عليه غضبه فقد هوى، لأنه قام بما يغضب الله من انتهاك حرماته.

ملفات أخرى متعلفة