إقرأ المزيد <


يوم في حياة مسئول

ضعفُ مستوى أداء كثير من المسئولين في زماننا، وقلةُ إنجازاتهم وتوفيقهم، وُبْغض الناس لهم، ترجع إلى سوء إدارتهم للوقت، فهم لا يعرفون كيف يعطون لكل ذي حق حقه، وأمامنا نموذج لمسئول مسلم تربى في مدرسة النبوة، ونهل من معين كتاب الله، فعرف كيف يدير وقته، ويجمع بين حق الله وحق نفسه وحق أهله وحق رعيته، واستطاع بحسن إدارته أن يحقق لأمته إنجازات عظيمة في وقت قصير، وأن ينال حب الناس، وإعجاب وثناء كل من عرفه أو قرأ تاريخه.

هذا النموذج هو للصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه- الذي أُعجب بحسن إدارته الخليفة عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- فضم إليه ولاية الشام، وقال فيه:" والله ما رأيت منه إلا خيراً، وما بلغني إلا خير"، وانبهر بحكمه عبد الله بن عمر فقال:"ما رأيت أحداً بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أسود من معاوية"، فقيل له: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقال:" كانوا والله خيراً من معاوية وأفضل، ومعاوية أسود" وكذلك عبد الله بن عباس- رضي الله عنه- الذي قال:" ما رأيت أحداً أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء واد رحب"، وشهد له ابن تيمية فقال: " وكانت سيرة معاوية في رعيته من خيار سير الولاة، وكان رعيته يحبونه ".

لقد حقق معاوية هذا النجاح في الحكم، والثناء والحب من الناس بحسن إدارته لوقته، الذي تحدث عنه المسعودي في كتابه مروج الذهب، عندما قدم وصفاً ليوم في حياة معاوية فقال: " كان إذا صلى الفجر جلس للقاصّ حتى يفرغ من قصصه، ثم يدخل فيؤتى بمصحفه فيقرأ جزءه، ثم يدخل إلى منزله فيأمر وينهى، ثم يصلي أربع ركعات، ثم يخرج إلى منزله، فيأذن لخاصة الخاصة، فيحدثهم ويحدثونه، ويدخل عليه وزراؤه فيكلمونه فيما يريدون من يومهم إلى العشي...

ثم يدخل منزله لما أراد، ثم يخرج فيقول: يا غلام أخرج الكرسي... فيتقدم إليه الضعيف والأعرابي والصبي والمرأة، ومن لا أحد له، فيقول ظُلمت، فيقول: أعزوه، ويقول عُدي علي: فيقول: ابعثوا معه، ويقول صُنع بي، فيقول: انظروا في أمره، حتى إذا لم يبق أحد دخل فجلس على السرير، ثم يقول: ائذنوا للناس على قدر منازلهم، ولا يشغلني أحد عن رد السلام، فإذا استووا جلوساً قال: يا هؤلاء إنما سميتم أشرافاً، لأنكم شرفتم من دونكم في هذا المجلس، ارفعوا إلينا حوائج من لا يصل إلينا، فيقوم الرجل فيقول: استشهد فلان، فيقول: افرضوا لولده، ويقول آخر: غاب فلان عن أهله، فيقول: تعاهدوهم، أعطوهم، اقضوا حوائجهم، اخدموهم، حتى يأتي على أصحاب الحوائج كلهم..فيدخل منزله، فلا يطمع فيه طامع حتى ينادى بالظهر، فيخرج فيصلي، ثم يدخل فيصلي أربع ركعات، ثم يجلس، فيأذن لخاصة الخاصة، ويدخل إليه وزراؤه فيؤامرونه فيما احتاجوا إليه بقية يومهم، ويجلس إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ثم يدخل إلى منزله، حتى إذا كان في آخر أوقات العصر خرج فجلس على سريره، ويؤذن للناس على منازلهم، وينادى بالمغرب فيخرج فيصليها، ثم يصلي بعدها أربع ركعات، ثم يدخل منزله، حتى ينادى بالعشاء الآخرة، فيخرج فيصلي، ثم يؤذن للخاصة وخاصة الخاصة، والوزراء والحاشية، فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدراً من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسير ملوك الأمم وحروبها ومكايدها، وغير ذلك من أخبار الأمم السابقة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر، فيها سِيَر الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم".

{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ، قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} .

ملفات أخرى متعلفة