إقرأ المزيد <


غزة وعقم الحلول الأمنية العسكرية

عماد الحديدي
إثنين ٠٩ ٠٣ / ٢٠١٥
تتزايد الدعوات المتوعدة والمهددة بسحق غزة وتلقينها درسًا لا ترفع رأسها بعده أبدًا، ولم تسلم غزة من هذه الحملات الإرهابية الصهيونية كونها الحاضن لعناصر المقاومة ومفخرة المقاومين العنيدين والأشداء حسب وصف جنود الاحتلال لهم، فلقد روى جندي صهيوني نجا من موت محقق على حدود غزة، لـ"بني غانتس" قائد الجيش الصهيوني, ما حدث معه بعد مقتل 13 من وحدته بقوله: "أجواء غزة صعبة للغاية، رأينا قائد اللواء مضرجًا بدمائه، بترت ساقه أمام أعيننا، وضابط العمليات ونائب قائد اللواء قُتلا، وقائد وحدة الاستخبارات العسكرية جروحه خطيرة، رأينا المقاتلين يخرجون من تحت الأرض، لا نعرف من أين جاؤوا!، تحركوا كالأشباح، يخرجون من فوهات الأنفاق دون اهتمام لدباباتنا، كل شيء أمام أعيننا، المشهد مليء بالدماء والأشلاء، الدمار والإرباك طغى علينا، الجنود يصرخون، ذُهلنا بالفعل، وبعد انتهاء المعركة لم نميّز بين عناصرنا، لم نعرف مَنْ حي أو ميت، ومن موجود أو مخطوف، ثم زحفنا بحثًا عن المصابين داخل الناقلة، الصورة قاسية للغاية ولا تبارح ذهني، لا أنسى تلك اللحظات، زحفنا في الشارع بحثًا عن أشلاء".

لم ولن تتعلم (إسرائيل) من أن الزمن بات ليس في صالحها, وأن كبار الأمس زرعوا أماناتهم في قلوب صغارهم، فما مات حلمهم وما نسي صغارهم، الذين شبّوا على حلم العودة والتحرير والانتقام من القتلة المغتصبين الذين قتلوا ومثّلوا وحرقوا الأجداد والآباء، بل المحتل لم يعطِ لهؤلاء الصغار فرصة لينسوا ما غرسه الآباء في قلوبهم، فكانت المجازر والاعتقالات والهدم والمصادرة والإذلال على الحواجز والمساومات في الاستدعاءات وعلى المعابر حتى وصل بهم الأمر إلى مسّ محرمات الشعب الفلسطيني, وهم الأطفال والحرائر والفتيات, وملاك الخطيب خير مثال بجانب أطفال وأحداث القدس، والذاكرة حبلى بالشواهد الحية التي تدمي قلوب الفلسطينيين.

ولم تأخذ (إسرائيل) العبر من دروس العدوان الأخير 2014م على غزة، والذي كبدها خسائر بشرية كبيرة فاقت 75 قتيلاً و300 معاقٍ إعاقة دائمة من صفوتها وقادتها حسب اعترافها الرسمي, حتى ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما وصفت هذا العدوان بالحرب الثامنة التي تخوضها مع العرب والفلسطينيين, بل هي أطول هذه الحروب، إذا جربت (إسرائيل) القوة والإرهاب فلم تجدِ هذه الوسائل نفعًا؛ مما أدى إلى ظهور دعوات إسرائيلية تطالب بتغيير الاستراتيجية الدموية إلى الاستراتيجية الخضراء, أي إلى الجزرة بدل العصا، فقال قائد شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق الجنرال شلومو غازيت: "إنه لا يمكن الإبقاء على 1.8 مليون شخص يعيشون بين أكوام من ركام البيوت المدمرة بدون أمل، لا يمكن أن نتوقع تهدئة في حال لم يتم ضمان نظام للحياة في القطاع، ومن الوهم أن يتوقع أحد أن يسلم الفلسطينيون بالبقاء في سجن جماعي, وأن يعتادوا على القيود المفروضة على حركة تنقلاتهم من القطاع وإليه، وحلم (إسرائيل) أن تفضي نتائج الحرب الأخيرة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، فهذا تبين مجرد "وهم لا يمكن أن يتجسد".

ولن تتحقق دعوة المنسق الخاص لعملية (السلام) في الشرق الأوسط، روبرت سيري، حيث قال: "أدعو بإلحاح شديد كلاً من مصر و(إسرائيل) والمجتمع الدولي إلى تغيير السياسات الفاشلة إزاء قطاع غزة، واعتماد استراتيجية غزة أولاً، وإنني مقتنع بأنه لن يكون هناك سلام دون معالجة احتياجات غزة أولاً، وإنني أعتزم في إفادتي إلى مجلس الأمن الدولي أواخر شهر مارس (آذار)، التأكيد على ضرورة إعطاء الأولوية لقطاع غزة، ولذلك فإنني والأمم المتحدة نتصدر طبيعة الدعوة التي ترى أن وضع حد للحصار هو شرط أساسي حتى يعمل اقتصاد غزة ويستقر".

إذن هذه النتيجة التي توصل إليها المجتمع الدولي أخيرًا، هي التي يجب أن تكون منذ زمن بعيد, فإن الفعل يقابله ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، وإن غزة اليوم ليست كغزة الأمس، فإذا أراد المجتمع الدولي الاستقرار في المنطقة, لا بدّ وأن يضع حلاً منطقيًّا لغزة أولاً ثم فلسطين ثانيًا, وإلا فإن غزة ستشعل المنطقة وتكون شرارة الحرب العالمية الثالثة، مذكرة بشرارة الحرب العالمية الأولى؛ حيث أطلق الشاب الصربي البوسني غافريلو برانسيب في 28/6/1914م, رصاصتين على ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرنسوا فرديناند وزوجته صوفي، بينما كانت شرارة الحرب العالمية الثانية في 1/9/1939, بإطلاق البارجة الألمانية شليسفيغ – هولشتاين, في بولندا, الطلقات المدفعية الأولى، لتغطي نيرانها قاعدة وستربلات البولندية قرب غدانسك. لذلك وقبل الانفجار, يجب وضع الحلول العسكرية جانبًا لحساب الحلول الاقتصادية؛ فيجب فتح المعابر والممر الآمن والشروع الفوري في إعادة فتح المطار والبدء الفوري بفتح الميناء، وإعادة الإعمار.

ملفات أخرى متعلفة