إقرأ المزيد <


الهجمة على الشرعية.. العالم ضدنا

بقلم- دوري غولد
حدثان هامان يحصلان في شهر تشرين الثاني يجب أن يقفا أمام ناظر كل المتصدين للتحديات على شرعية دولة (إسرائيل).

في 2 تشرين الثاني 1917 صادق المجلس الوزاري البريطاني على تصريح بلفور، الذي تحدث عن إقامة "وطن قومي يهودي"، في الأراضي التي ستصبح لاحقا الانتداب البريطاني في بلاد (إسرائيل). في ذات الوقت كانت نوايا بلفور واضحة، إذ بعد ثلاثة أشهر من نشر التصريح اعترف هو نفسه بأنه يأمل في أن يؤدي تصريحه إلى إقامة دولة يهودية.

وعندما حولت عصبة الأمم تصريح بلفور إلى عقد قانوني دولي ملزم (الانتداب) أدخلت إليه تغييرات هامة. عصبة الأمم اعترفت بـ "الصلة التاريخية للشعب اليهودي في بلاد (إسرائيل)". وتجدر الإشارة إلى أن عصبة الأمم لم تخترع حقوق يهودية تاريخية، بل اعترفت بحق كان قائما منذ القدم. هذه الحقيقة وجدت تعبيرها في موقف عصبة الأمم من الشعب اليهودي كمن "يعيد إقامة وطنه القومي في البلاد من جديد".

ماذا كان الأساس لاستعداد البريطانيين أن يعيدوا بلاد (إسرائيل) إلى الشعب اليهودي بعد ألفي سنة؟

في أعقاب هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى تخلت هذه عن سيادتها في مناطق واسعة في آسيا جنوب تركيا الحديثة. وثارت مسألة من سيصبح صاحب السيادة في تلك الأراضي. في كتابات رئيس الوزراء البريطاني في حينه، لويد جورج، ووزير خارجيته، بلفور، يتضح جيدا إحساس الرجلين بان بريطانيا حررت شبه الجزيرة العربية، العراق، سوريا، شرقي الأردن من يد الحكم التركي.

وأمل الرجلان، على حد قول بلفور في أن يوافق العرب على أن تسلم "قطعة صغيرة" نسبيا من الأرض إلى اليهود. ما كانت ستصبح في المستقبل بلاد (إسرائيل) الانتدابية كانت أقاليم منفصلة للإمبراطورية العثمانية. وكانت هذه الأرض تسمى بالعربية "سوريا الجنوبية".

في العشرينيات كانت الأرض التي خصصت في صالح الوطن القومي اليهودي أقل من 1 في المائة من الأرض التي خصصت للعرب لغرض تقرير مصيرهم (اليوم، لغرض المقايسة، ناطقون فلسطينيون يدعون بان كل ما يطلبونه هو 22 في المائة من الأراضي الأصلية لبلاد (إسرائيل) الانتدابية ويتجاهلون الأراضي الواسعة التي صارت تحت السيادة العربية).

في 29 تشرين الثاني 1947، بعد نحو 30 سنة من تصريح بلفور، صادقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على قرار 181، الذي أوصى بإقامة دولة يهودية في بلاد (إسرائيل)، إلى جانب دولة عربية.

الحقوق القومية لليهود، التي تقررت قبل ذلك في عصبة الامم، اعيد اقرارها من قبل خليفتها، الامم المتحدة.

وهكذا أصبحت (إسرائيل) دولة حظي نشوءها بالدعم من جانب عصبة الامم ومن جانب الامم المتحدة على حد سواء. القيادة اليهودية في تلك الفترة قبلت بقرار 181 فيما رفضته الدول العربية وشرعت في كفاح مسلح.

صحيح هو أنه بعد رفض الدول العربية قبول القرار كفت الحدود المحددة التي رسمت فيه عن أن تكون ذات صلة، كما اشار الخبير القانوني البريطاني الشهير الياهو لوترفخت. ومع ذلك، فان المبدأ الذي يقبع في أساس قرار 181، والذي يتضمن اقامة الدولة اليهودية، بقي ساري المفعول من ناحية دولية.


في العصر الراهن، حيث يجري نقاش واسع في شرعية دولة (إسرائيل)، من المهم أن نتذكر بانه لا يوجد أي عضو آخر في الامم المتحدة حظي بتأييد مكثف بهذا القدر عند قيامه في اثناء القرن العشرين.

كيف يمكن أن نشرح حقيقة أن العضو الاكثر شرعية في الامم المتحدة يقف تحت الهجوم الاكثر حدة في عصرنا؟

لهذا السؤال قدمت تفسيرات عديدة في الماضي: فلسطنة النزاع، مثلما أيضا التغيير في تركيبة العضوية في هيئة الامم وما شابه. ولكن كان يمكن التفكير بان دولا اوروبية عديدة على الاقل كانت ناصتة للحقوق القانونية والتاريخية ل(إسرائيل).

غير أن التأييد الاوروبي ل(إسرائيل) ضعف. أحد اعضاء البرلمان الاوروبي قال لي لتغير الاقتباس تقديره بالنسبة لمصدر الانتقاد الاوروبي الحاد.

برأيه، الامر ينبع من أن الاتحاد الاوروبي جاء منذ البداية كي يكون اطارا جديدا متعدد القوميات يحل محل المبنى السياسي القومي، الذي يعتبر في نظر الكثير من الاوروبيين نموذجا قديما مسؤولا عن سفك الدماء، الدمار والخراب الذي حل باوروبا في اثناء القرن العشرين.

بالمقابل، فان اقادمة دولة (إسرائيل) تثبت مفهوما متعارضا تماما: اذا كان الشعب اليهودي يتذكر جذوره القومية بعد الفي سنة ويصعد من جديد الى منصة التاريخ، ففي ذلك برهان على أن فكرة الدولة القومية لا تزال قائمة وسارية المفعول.

المسيرة السلمية كان يفترض بها ظاهرا أن تشل فعالية الهجمات على شرعية (إسرائيل). بالاجمال، في 9 ايلول 1973 كتب ياسر عرفات الى رئيس الوزراء في حينه اسحق رابين: "م.ت.ف تعترف بحق دولة (إسرائيل) في العيش بسلام وأمن".

غير أنه بخلاف ذلك، في اثناء السنوات التالية حثت م.ت.ف بنشاط نزع الشرعية عن (إسرائيل) من خلال الامم المتحدة والتحريض اليومي. ومؤخرا فقط، في 17 حزيران 2010 وصفت دولة (إسرائيل) في التلفزيون الفلسطيني الرسمي بانها "اولئك الذين سرقوا فلسطين بحثا عن وطن مزعوم يوافق على قبولهم" (المصدر: نظرة الى وسائل الاعلام الفلسطينية). في الصحافة الرسمية يتعاطون مع كل اراضي دولة (إسرائيل) كمحتلة.


عن هذه الخلفية يسأل الكثيرون لماذا تصر دولة (إسرائيل) جدا على اعتراف فلسطيني بدولة يهودية. لماذا لا يكفي الاعتراف بالفلسطيني بقرار 181 للامم المتحدة والذي يدعو الى اقامة دولة يهودية؟ أفلم يعترف ياسر عرفات بدولة يهودية في 1993؟

صحيح حتى الان، من يفترض أن يكون الشريك في المسيرة السلمية يحث هجوما على حقوق (إسرائيل) القانونية كي يقضم منها في كل منصة محتملة، وذلك رغم قرارات عصبة الامم والامم المتحدة.

السبيل الوحيد للوصول الى السلام الحقيقي يمر عبر الاعتراف المتبادل الذي يؤكد الحقوق القانونية التي منحتها الاسرة الدولية ل(إسرائيل).

ملفات أخرى متعلفة