العودة لمواجهة الأخطار المحدقة

عبد الله العقاد
الثلاثاء ٠٣ ٠٣ / ٢٠١٥
لعل التطورات التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية فيما يسمى "الشرق الأوسط"، وأخص بالذكر التطور في الحراك النوعي للدبلوماسية السعودية، لما لها من ثقل وتأثير في القضايا الإقليمية، واستشعار روح المسئولية بالأخطار المحدقة بالمنطقة، ولاسيما ما يحيط بالمملكة العربية السعودية من جهاتها الأربع؛ وصلت إلى درجة الاستقطاب الحاد بين المحاور التي تتضارب مسارتها في المنطقة.

فبات يستهدف تيار كل محور المحور الآخر؛ فيجد كل محورٍ منها خصومته الآنية _على أحسن تقدير_ في غير الكيان المغروس في أرضنا، بل كان الكيان العبري أكثر من استفاد من حالة الخصام والاضطراب والتعارض بين المحاور تلك، وقد تقاطع الكيان العبري تمامًا مع محور ما يسمى "الاعتدال" ضد ما أطلق عليه "محور الإخوان" المتحالف مع قطر وتركيا، وفي الابتعاد عن التصادم مع "المحور الشيعي" الذي دُفع به بعد ذلك في أتون الصراع لخدمة غير المصالح العربية والإسلامية، كما نجد في أكثر من ساحة في الإقليم.


وقد كان من الأجدر حقيقة أن تتمحور الأمة كافة بمكوناتها كلها الثقافية والإثنية والمذهبية (...) في محور واحد ووحيد لمواجهة ما يستهدفها جميعاً من القوى الاستعمارية الإمبريالية، ولاسيما أهم أدواتها في منطقتنا، وهي الكيان العنصري الصهيوني.

وهذا ما يفسر عربدة الكيان التي يمارسها في المنطقة بشكلها الوقح، وقد وجد له ظهيراً محوريّاً، ومساندة من دول إقليمية متحالفة معه في المصالح، وقد كشف حالة الصمت المطبق من دول شقيقة إزاء عدوان الحصار وتعطيل الإيواء والإعمار؛ لما دمرته آلة القتل في حرب استمرت أكثر من سبعة أسابيع في صيف عام (2014م).

نعم الكيان العبري وفق تقديراته الإستراتيجية الأمنية هو من ارتأى فيما يسمى "محور الاعتدال" الحليف، وهو كذلك الذي وجد في "محور الإخوان" عدوّاً لدوداً؛ فتحالف مع "محور الاعتدال" لتصفية وإنهاء المحور الأخير بإثارة القلاقل والتضييق والملاحقة للدول الحاضنة له.

فكانت محاولة التصفية لرأس مشروع المقاومة في فلسطين كتائب القسام، وغيره من الأجنحة العسكرية في حرب لم تؤد إلا إلى القتل، والتدمير، وحصار زاد من التنكيل بالشعب الفلسطيني في غزة، والتنكر لحقوقه حتى من أقرب المقربين إليه.

وكانت القلاقل والدفع نحو الصراعات المفتعلة في تركيا لإسقاط "حزب العدالة والتنمية" الذي يقف على رأسه الرئيس رجب طيب أردوغان، وقد انتهت بعكس المأمول منها، فجددت الثقة لبرنامج "العدالة والتنمية" بانتخابات بلدية لمصلحة الحزب، وانتخاب أردوغان رئيساً بصلاحيات موسعة لتركيا.

وانعكست نتيجة العزل بالإقصاء مما افتعله "محور الاعتدال" على الساحة التونسية بتجميع كل المعادين لمشروع النهضة وبقايا النظام المخلوع، بعد إثارة العبث في الشارع التونسي، ولكن النتائج كانت مفاجئة، فلم تسقط النهضة _وإن خطت خطوتين إلى الوراء_ بل هي اليوم شريك أصيل في الحكومة ومنافس قوي في البرلمان.

أما "الاعتدال" في الساحة الليبية فكان منه الدعم المستمر للبرلمان المنحل في طبرق، ودعم عسكري متلاحق لقوات خليفة حفتر، وتخصيب العدوات والخصومات، وتدمير لمقدرات الدولة الليبية في مرحلتها الانتقالية الحرجة، غير أن الشرعية الدستورية ما زالت ممسكة بطرابلس العاصمة، ولها السيادة الميدانية على معظم الأراضي الليبية وحضور شعبي قوي ومتعاظم.

وكان الكيان العبري هو من ارتأى تحييد المحور الإيراني السوري العراقي الذي أسماه "المحور الشيعي"، لتتفرغ الجهود وتُوحد باتجاه البطش بـ"المحور الإخواني"، لكن جاءت مشيئة الأقدار لتجري الأحداث في مصلحة إرادة التغيير الحقيقي نحو الحرية والكرامة، والتطلع إلى مستقبل أستاذية الأمة وعودة شهودها الحضاري.
ولكن فيما يتعلق بـ"المحور الشيعي" المتطلع إلى دور إقليمي فاعل على حساب الغياب المفتعل في المنطقة العربية إنه تفاعل إيجابيًّا، ولكن في خدمة مصالح المحور المتحالف مع الاحتلال، فوجدنا المواقف الشامتة مما لاقته حركة حماس في بداية العدوان الأخير، وقد نأت الأخيرة عن الدخول في الخلافات البينية العربية والإسلامية، وأكدت رغبتها في عدم الزج بها في برامج لا تخدم مسارها التحرري الوطني.

وقد التف المحور الشيعي على الثورة اليمنية بتحريك إحدى أذرع ثورة (17/ فبراير) بالتحالف مع بقايا النظام المخلوع وحزبه "المؤتمر الشعبي"، ولكن ذلك الالتفاف المعادي لمسار الثورة يجده اليوم محاصراً بإرادة الجماهير في كل المحافظات اليمنية وقبائلها الكبرى.

وكذلك انغماس "المحور الشيعي" في معاداته للحراك السني السلمي في العراق ضد سياسات المالكي الطائفية الإقصائية، وقد تدحرجت الأمور هناك إلى تلك الحالة المأسوية بسيطرة "تنظيم الدولة" على أغلب محافظات الحراك السني؛ لتعود دائرة الدم من جديد بعد ممارسات التنكيل والإقصاء التي أوجدت هذا البحر من العداء المخيف.

وأكثر من ذلك وجدنا "المحور الشيعي" كذلك يتناغم تماماً مع الإقصاء بالقوة العسكرية الذي حدث لأغلب قوى الثورة (25 يناير) في مصر، الذي يعده الكيان العبري تغيّراً إستراتيجيّاً يخدم مصالحه على كل المستويات.
أما الحال في الساحة السورية فدخول "المحور الشيعي" بكليته في دائرة الصراع المستمر هناك، والدفاع المستميت عن سقوط النظام السوري، بعدما استخدم كل ما في ترسانته من الذخائر والأسلحة المحرم منها والمحرمة؛ لأنه ليس من محلل في مواجهة النظام لشعبه، وقد خرج في حراك سلمي بمطالب متواضعة في بداية الأمر، ولكن سوء الحسابات أودت بالنظام إلى أسوأ المآلات، ولا يزال يتردى.
(5)
وفي النتائج ما يغنيك عن تبريرات المقاصد؛ فمسلسل الفشل الذي طالما أطلق عليهم الكيان العبري دول "الاعتدال" أو "المحور السني" عبر نتائج تدخلاته، والنيران التي أشعلها في أكثر من مكان لتحاصر بلدانه ويكتوون بها، وأكثر من ذلك العار الذي يلاحقه بتحالفه المباشر مع الكيان العبري في كل جبهاته؛ توجب على ذلك المسار المحوري في المنطقة الوقوف بضع "خطوات تنظيم" بلغة العسكر، بعدما أقفل على نفسه أفق البقاء بعد رحلة العبث المضني.

وفي المقابل تقدم "المحور الإخواني" بصموده في مواجهة التحديات، والعراقيل المفتعلة بأكثر من مسار، فتعززت قوته في تركيا، وأصبح شريكاً محوريّاً في تونس، وعادت الدبلوماسية القطرية لدورها الريادي أكثر مضاءً بحضورها الإعلامي المتميز، ومازالت روح الثورة المصرية تمخر في وسط أمواج البطش والتنكيل نحو أهدافها (كرامة، وحرية، وعدالة اجتماعية)، والمقاومة الفلسطينية مازالت ممسكة بسلاحها المشروع في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني.

وفي اليمن السعيد مازالت القوى الثورية ملتفة حول خيارها المتطلع إلى الحرية والكرامة رافضة التجاوب مع الروح الطائفية، وفي سوريا، وقد أحرقت نار "الفتنة" كل تلك الدول التي أشعلتها، وستطفئ قريباً كرة النار التي تُدفع باتجاهات تخدم مصالح غير وطنية، وستكون الكلمة الأخيرة للشعب الذي ما قام إلا ليحقق حلمه بكامل الحرية والعيش بكرامة وشراكة بعيداً عن المحاصصات الطائفية أو الإثنية.

وأخيراً متى سنجد العرب والترك والإيرانيين وغيرهم قد جمعهم الإسلام ليكونوا في إطار سياسي موحد، ويدورون حول فلك وحيد، ويسيرون باتجاه واحد؟!

ملفات أخرى متعلفة