إقرأ المزيد <


إصرار محير على سيادة الفشل

د. عبد الله الأشعل
إثنين ١٥ ١١ / ٢٠١٠
مرة أخرى يطل علينا أوباما بشكل معتاد من أشكال الاستهتار الفاضح بالعقل والوعي العربي والإسلامي الذي من المفترض أنه لا يلدغ من جحر مرتين , لكن أوباما وكمن سبقوه, يقول علناً و بالفم الملآن سألدغكم كل يوم مرات ومرات من نفس الجحر, وأسقيكم جرعات عديدة من نفس السم.

مرة أخرى يلقي خطابه القديم المتهالك لنعيش من جديد مسلسل الأوهام والأحلام المقيت, لنحيا على الأماني بالمستقبل الزاهر, بينما يقومون بسرقة ذلك المستقبل والقضاء عليه, كل ذلك ليس بعجيب , لكن العجيب أن ترى أقواماً يصرون على أن يعيشوا نفس الخيبات مرة تلو الأخرى, أن يقتدوا بالفاشلين, بل ويتوسلون السماح لهم أن يتبعوهم ويسيروا على نفس خطا الفشل التي ساروها, ليس هذا وحسب بل أيضاً أن يصروا على أن يكون الفاشلون قادتهم, يأتمرون بأوامرهم وينتهون بنواهيهم.

لن أطيل الوصف فتلك راعية الفتك والدمار والظلم العالمي الولايات المتحدة الأمريكية و التي أصبحت رمزاً للفشل تلو الفشل بعد أن كانت الإمبراطورية المرشحة لأن تحكم العالم بالفعل لو أنها تحلت ببعض الحكمة والعقلانية والعدل والحياد, لو أنها تعاملت مع الشعوب على أساس من الاحترام والنفع المتبادل.

لقد كان الكثير من شعوب العالم ودوله يبدون نوعا من الاحترام والرغبة في الاقتداء بتلك الإمبراطورية التي وثقوا بعظم إمكانياتها وقدراتها, وظنوا أن من الممكن أن يستفيد منها العالم بأسره في كل المجالات العلمية والتقنية والعلوم الاجتماعية.. الخ.

كان الكثيرون مقتنعين أن السير على خطا الولايات المتحدة الأمريكية سيعود عليهم بالنفع والفائدة الكبيرة. إلى جانب ذلك كان هنالك بالطبع الخوف والرهبة منها, والرغبة في الاحتماء بقوتها من مصائب الدهر والزمان, ومن اعتداء المتربصين وكيد الكائدين. لقد كان الكثيرون يعتبرونها واحة العدالة والديمقراطية التي يحتمون بها من الطامعين (خصوصا في حقبة الحرب الباردة أثناء وجود الاتحاد السوفييتي وما مثلته أيديولوجيته, وقوته العسكرية, ومبادئه الفكرية من تهديد لبعض الأنظمة), فكان عليهم تقديم فروض الولاء للولايات المتحدة وطاعتها والاقتداء بها, واتباع تعليماتها كي تعتبرهم من حلفائها فتبسط عليهم جناح الحماية والرحمة.

لكن وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت إرهاصات الفشل الذريع لتلك القوة العظمى التي أرادت أن تصبح إمبراطورية العصر, بدأت تتضح عندما اعتقدت أنها وحيدة الكون, وقوة العالم التي لا منازع لها, فاختارت سبيل العجرفة والوقاحة والاستعلاء بدلا من الأخوة والمساواة والقيم الإنسانية الحقيقية في التعامل مع التابعين, واختارت القوة الغاشمة, والحرق والتدمير وقتل الأبرياء والآمنين لتحقيق مآربها, وعندما تركت ما كانت تدعيه من مبادئ وأساطير حقوق الإنسان والديمقراطية مما كانت تتلهى مع الباقين, هنالك بدا السقوط, كان أول السقوط أن قادة الإمبراطورية الفاشلة من المجانين الجدد لم يعتبروا من دروس التاريخ, وعلى رأسها أن لا قوة مهما بلغت من الجبروت يمكن لها أن تحكم الأرض بالطغيان والرعب, وأن الشعوب لا تنكسر و لا ترضى الذل والهوان مهما بلغت بها التضحيات.

من هنا بدأ الفشل وبدأت مظاهر الخيبة على الإمبراطورية ومشروعها , فصارت الهزائم تتوالى أينما حل جنودها البائسون, حتى انهار الاقتصاد الذي كان يوما يعتقد انه لا ينهار, ومعه سقط الجندي الأمريكي, سقط عسكريا وخلقيا وانهارت نفسيته وعقيدته ومؤسسته, فقد الثقة بنفسه وكذلك فعل مجتمعه.

إن الإمبراطورية التي كانت مرشحة لقيادة العالم أصبحت رمزاً للفشل, ودب في أركانها الوهن والسقوط, فبدأ ينفض عنها التابعون, والراجون لحمايتها , والمرعوبون من هيبتها وصولتها , والطامعون بمعوناتها , وأضحت الانتقادات وأصوات الرفض لأوامرها مسموعة على الملأ ممن كانوا قبل ذلك لا يستطيعون رفضاً لأوامرها . حتى الاستنكار لما تفعله صار يصدر من دول العالم وقيادات الشعوب جليا بدون خوف أو وجل, بل وصل الحد إلى بحث ملف انتهاكاتها بحق البشر ولأول مرة في مجلس حقوق الإنسان الأممي.

إن هذا التسلسل وتلك التطورات تعتبر تطورات طبيعية فيما يخص السلوك البشري (فالنجاح كما هو معلوم له آباء كثر, بينما الفشل يتيم), أما ما هو غير طبيعي ولا يتفق مع السلوك الإنساني القويم أن تجد أنه ما زال هنالك من بني جلدتنا, وقومنا, وأمتنا من يخشى المنهزم, ويقتدي بالفاشل, ويؤمن على دعاء الساقطين. فبعد أن لم يبق في العالمين من يقول لهيمنة الإمبراطورية الساقطة وأوامرها آمـين, نجد الوحيدين في هذا الكون والذين مازالوا تحت تأثير الرعب الأمريكي والولاء للأمريكي هم أنظمتنا وزعماء أمتنا.

لا أدري ما السر في ذلك الخضوع العجيب. فنحن لو حاولنا أن نجد المبررات مثل أن هذا السلوك قد عاد على دولنا بالرفاه الاقتصادي, أو التطور العلمي المذهل و التكنولوجيا الحديثة, أو الديمقراطية الحقيقية واحترام الإنسان لقلنا إن القوم محقون في ولائهم! لكن عندما نرى أن تلك العبودية لم تجر علينا إلا الخيبة تلو الخيبة, ومن كل الأنواع, يحق لنا حينها أن نتساءل وبإصرار لماذا كل هذا الجبن المحير؟ هل هو ما بقي في المخيلة من صورةٍ للأمريكي القوي الذي لا نريد التصديق بهزائمه وسقوطه المريع؟ هل هو الأمل الوحيد المتبقي للحفاظ على كراسيهم وعروشهم؟ أم هو الإصرار العجيب على سيادة الفشل والاقتداء بالفاشلين؟

ملفات أخرى متعلفة