إقرأ المزيد <


" فَتَبَيَّنُوا"

المتأمل في ماضي أمتنا وحاضرها، يكتشف أن معظم الفتن والحروب والنزاعات والمظالم والمشكلات التي أضعفتها، وأفشلتها، ناجم عن خطأ واحد يتكرر في كل زمان ومكان، ويقع فيه القادة والأفراد، فيجُرُّون أمتهم وأنفسهم وغيرهم إلى المهالك، وهذا الخطأ هو إصدار القرارات والأحكام قبل التَّبَيُّن، ومخالفة قول الله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ .

فقد أُنزلت هذه الآية لتعالج خطأ ناتجاً عن عدم التبين، وقع في زمن النبي "صلى الله عليه وسلم"، ولتعلِّمَ المؤمنين إلى يوم الدين ضرورة أن يتبينوا قبل إصدار أحكامهم وقراراتهم، فقد أرسل النبي الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليأخذ الزكاة من الحارث بن ضرار، الذي أوكل إليه النبي دعوة قومه، وجمع الزكاة ممن أسلم منهم، لكن الوليد خاف وعاد إلى المدينة قبل أن يلتقي بالحارث، وقال:" يا رسول الله، إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي"، فأرسل النبي بعثاً إلى الحارث لمعاقبته، فوجدوه قادماً إلى المدينة يحمل الزكاة، فجاءوا به إلى النبي، فلما دخل الحارث عليه، قال: "منعتَ الزكاة وأردتَ قتلَ رسولي؟" قال: "لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني".

إن عدم التَّبين أدى إلى استشهاد الخليفة عثمان- رضي الله عنه-، فقد صدَّق مجموعة من عوام المسلمين المتحمسين للإسلام في مصر والعراق افتراءات أشاعها وروجها عبد الله بن سبأ اليهودي، وأتباعه المخترقين للصف الإسلامي، وتوجهوا إلى المدينة للإطاحة بالخليفة، متهمين إياه بالخروج عن مبادئ الإسلام، فقابلهم وبيَّن لهم أن ما يتهمونهم به كذب، فصدّقوا، لكنهم طالبوا بعزل والي مصر عبد الله بن سعد، وتعيين محمد بن أبي بكر مكانه، فأعطاهم كتاباً بذلك، فعادوا، لكنهم أمسكوا في الطريق برجل يحمل كتاباً مختوماً بختم الخليفة، يأمر فيه بقتل محمد بن أبي بكر وسجن الباقين، فاستشاطوا غضباً، وقبل أن يتبينوا عادوا إلى المدينة عازمين على قتل الخليفة، وعرّجوا على علي بن أبي طالب، وعرضوا عليه الكتاب، فنفى هذا الاتهام عن عثمان، وأكد لهم أن الكتاب الذي وجدوه مع الرجل مزور، وقال لهم: "إذا كان الذي أعادكم هو هذا الكتاب فما الذي أعاد أهل العراق ليصلوا المدينة في وقت وصولكم نفسه، والله إنه لأمر دُبِّر بليل"، ونهاهم وحذرهم، لكنهم لم يستجيبوا، واقتحموا بيت الخليفة وقتلوه، وتسببت هذه الجريمة في انقسام المسلمين إلى سنة وشيعة، واستمرار هذا الانقسام إلى يومنا هذا، وإلى معارك وحروب بينهما عبر مختلف مراحل التاريخ قتل فيها ملايين المسلمين.

وإن عدم التبين هو الذي أشعل القتال بين فريق الصحابة الذين جاءوا يطالبون علياً بقتل قتلة عثمان، إذ أقنع عليُّ الصحابة بالعودة، فقفلوا راجعين، لكن السبئيين الموجودين في صفوف عليّ قالوا: "إن الصلح لن يكون إلا على دمائنا"، فقرروا إشعال الحرب، وأقدموا على إطلاق سهم على الزبير بن العوام أدى إلى استشهاده، فظنّ الصحابة أن جماعة عليّ قد أقدمت على هذا الغدر، فعادوا غاضبين قبل أن يتبينوا من الذي يقف وراء تلك الجريمة، فتلقاهم السبئيون وهاجموهم، فردوا على هجومهم، ظانِّين أنه بأمر من عليّ، والتحم الفريقان، في قتال عنيف أدى إلى قتل الآلاف من الفريقين، وهذا ما حدث في صفين، إذ إن جيش معاوية وجيش عليّ التقيا، واستمرا أياماً دون قتال، وكان الجنود من الفريقين يلتقون فيأكلون معاً ويتسامرون، وهمَّ الجيشان بالعودة دون قتال، لكن السبئيين في صفوف عليّ قرروا أن يبدءوا القتال، فهاجموا جيش الشام، فظن الشاميون قبل أن يتبينوا أن الهجوم قد بدأ بأمر من عليّ، فردوا بكل قوة، فاندلعت المعركة التي قتل فيها آلاف من المسلمين بينهم الكثير من الصحابة الكرام.

كما أدى عدم التبين إلى قتل قادة كبار أبلوا بلاء حسناً، كقتيبة بن مسلم الباهلي الذي فتح بلاد ما وراء النهر، وفتح جزءاً من أرض الصين، وأرغم تلك الإمبراطورية العظيمة على دفع الجزية للمسلمين، فقد أرسل قتيبة بيعته إلى الخليفة سليمان بن عبد الملك بعد وفاة الوليد، فتأخر رد سليمان، فظن قتيبة قبل أن يتبين أن سليمان يريد عزله، فأظهر تذمراً جعل بعض الجند يظنون دون تبين أن قتيبة يريد أن يخلع طاعة سليمان، فأقدموا على قتله.

وأقدم بعض قادة الجند في الأندلس على قتل والي الأندلس عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي أتم فتح غرب وشرق الأندلس بعد عودة أبيه إلى الشام، تصديقاً منهم لإشاعةٍ روجها بعض المنافسين المغرضين من أن عبد العزيز قد أقدم على ممارسة عادات ملوك النصارى المخالفة للشرع، وعندما وصل خبر قتله إلى أبيه في الشام، بكى وقال:" لقد قتلتم والله صوَّاماً قواماً". وأقدم والي العراق في عهد سليمان على عزل فاتح السند محمد بن القاسم، واعتقاله قبل التبين بتهمة التمرد، وأمر بتعذيبه في سجنه في العراق، حتى قضى نحبه وهو يردد:

أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطِعان رُمحِ
وتاريخنا وحاضرنا مليء بالأمثلة الدالة على أن عدم التبين هو أكبر سبب للفتن والظلم والمشاكل.

وقد آن الأوان لأن نستجيب لأمر ربنا، ونستفيد من تاريخنا، ونتجنب إصدار الأحكام واتخاذ القرارات قبل التبين، وليعلم من يقررون دون تبين أنهم يخالفون أمر ربهم، ومنهج دينهم، وأبسط قواعد العدالة والمنهج العلمي السليم.

ملفات أخرى متعلفة