استراتيجية (إسرائيل) لتهويد النقب

نبيل السهلي
الأربعاء ٢٨ ٠١ / ٢٠١٥
تتجسد مأساة الشعب الفلسطيني في أوضح صورها في منطقة النقب جنوبي فلسطين المحتلة، فمن الاعتقال والملاحقة للشباب العربي وقتلهم، كما حصل في مدينة رهط قبل أيام، مروراً بهدم المنازل وتدمير القرى العربية، وصولاً إلى مصادرة جيش الاحتلال الإسرائيلي ما تبقى من الأراضي العربية.

وقد زادت الوضع سوءاً الشعارات العنصرية التي أطلقها قادة إسرائيل وأحزابها السياسية في السنوات الأخيرة، والتي تدعو، في مجملها، إلى القيام بحملة تطهير عرقي كبيرة، من أجل طرد العرب الفلسطينيين من أرضهم، ومن بينهم عرب النقب جنوبي فلسطين المحتلة. ولتهيئة الظروف من أجل إفراغ منطقة النقب من أهلها العرب، سعت الحكومات الإسرائيلية، المتعاقبة منذ عام 1948، إلى حرمان العرب هناك من أبسط الحقوق الإنسانية، من تعليم وصحة وخدمات اجتماعية أخرى.

لكن الأخطر ما حدث أخيراً، وتحديداً قتل الشرطة الإسرائيلية يوم الأحد 18-1-2015 شابين من مدينة رهط التي تعتبر أكبر تجمع في صحراء النقب، حيث يقطنها 60 ألف عربي، وقبل ذلك، إزالة الجرافات الإسرائيلية قرية العراقيب في منطقة النقب بشكل كامل 80 مرة، بعد أن أعاد إعمارها أهل القرية، بغية الانقضاض على الوجود العربي في منطقة النقب وتهويدها في نهاية المطاف. ولهذا، باتت الضرورة ملحة لإلقاء الضوء على سياسة إسرائيل، إزاء عرب النقب الذين يواجهون سياسة تهويد محكمة.

الجغرافيا والديموغرافيا
تستحوذ منطقة النقب في جنوب فلسطين المحتلة على أكثر من 50% من مساحة فلسطين التاريخية، البالغة 27009 كيلومترات مربعة، وبفعل الزيادة السكانية العالية بين العرب في تلك المنطقة، ارتفع عددهم من 15 ألفا في 1948 إلى حوالي 200 ألف في بداية العام الحالي 2015 يمثلون 12.5% من إجمالي عدد العرب داخل الخط الأخضر، والمقدر بمليون وستمائة ألف عربي فلسطيني. وقد سعت سلطات الاحتلال، منذ السنوات الأولى لإقامة إسرائيل، إلى السيطرة المباشرة على ما تبقى من أراضي البدو في النقب، لصالح بناء الترسانة العسكرية الإسرائيلية من جهة، وبناء مزارع حكومية وخاصة من جهة أخرى.

وتبعاً لذلك، ألزمت السلطات الإسرائيلية أهالي منطقة النقب في بداية السبعينيات تسجيل أرضهم في دائرة ما تسمى هيئة أرض إسرائيل، في وقت تعلم فيه السلطات الإسرائيلية حقيقة عدم احتفاظ غالبية أهالي النقب البدو بمستندات حول ملكيتهم في أراضي النقب والتجمعات والقرى هناك، خصوصاً عاصمة النقب بئر السبع.

ومن الأهمية بمكان، الإشارة أيضاً إلى أن المحاكم الإسرائيلية كانت أقرت في عام 1948 بأنه لا ملكية للبدو في أرضهم وأرض أجدادهم. وبفعل عمليات المصادرة الإسرائيلية المبرمجة منذ عام النكبة، قبل أكثر من 66 عاماً، فإن الحقائق والدراسات المختلفة تفيد بأن مساحة المنطقة المأهولة بالسكان البدو العرب، أصحاب الأرض الأصليين، لا تتعدى 240 ألف دونم من أصل مساحة صحراء النقب، البالغة نحو 13.5 مليون دونم، ومن بين أهم الحجج الإسرائيلية للسيطرة على أراضي البدو في النقب حجة الحفاظ على التنظيم الهيكلي للمنطقة، وضبط عمليات البناء بشكل ممنهج، ناهيك عن الدواعي الأمنية والعسكرية، بغية بناء مزيد من المعسكرات والمصانع العسكرية والمطارات الإسرائيلية في الأراضي العربية، بعد إتمام مصادرتها وتهويدها. ومن بين أهم المفاعلات النووية الإسرائيلية مفاعل ديمونة في صحراء النقب، ويعد من أهم المفاعلات التي تمتلكها إسرائيل.

وقد تمكنت السلطات الإسرائيلية، عبر سياسات ديمغرافية واستيطانية محكمة، من عدم الاعتراف بكل التوسعات العمرانية العربية في منطقة النقب، وقامت السلطات الإسرائيلية بتجميع بدو النقب في مناطق محددة، لأسباب أقلها محاولة كسر التمركز الديمغرافي الشديد للبدو في مناطق لها هوية عربية خالصة، ومن تلك المناطق التي تم إسكان قسم من البدو فيها بلدة مرعيت، وكانت هذه الخطوة بمنزلة اقتلاع وترحيل قسري لعرب النقب في الوقت نفسه.

وثمة مخططات إسرائيلية عديدة لإعادة تجميع عرب النقب في ثلاث مناطق في جنوب فلسطين المحتلة، هي: ديمونا وعراد وبئر السبع، وفي الاتجاه نفسه، قد تتم عمليات التجميع في سبع قرى، عوضا عن 70 قرية بدوية منتشرة في صحراء النقب غير معترف بها أصلا من السلطات والإدارات الإسرائيلية المختلفة، وهو ما سيجعل حياة البدو أكثر هامشية في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى.

مما تقدم، اتضحت معاناة عرب النقب، الأمر الذي يتطلب، أكثر من أي وقت مضى، تسليط الضوء على أوضاع العرب داخل الخط الأخضر، خصوصاً في صحراء النقب، وهذا يتطلب فضح السياسات الإسرائيلية المتبعة ضدهم، والهادفة إلى تهجير أكبر عدد ممكن من العرب الفلسطينيين إلى خارج أرضهم، أو إلى إعادة توزيعهم في قرى أخرى، غير قراهم التي ترعرعوا في كنفها، فضلاً عن ابتلاع ما تبقى من أراض عربية في حوزة العرب الفلسطينيين في جنوب فلسطين المحتلة.

بتصرف

ملفات أخرى متعلفة