إقرأ المزيد <


لا تتزوجيه

هشام منور
إثنين ١٥ ١١ / ٢٠١٠
قالت هامسة وقد عقد لسانها الحياء: تحادثنا عبر (النت) فقد شاركت في واحدة من الحوارات، وقد وجدت طريقة تفكيره قريبة من طريقتي، وتشعب بنا الحديث، حتى صرت أنتظره، نعم هو لا يعرفني، كما أنني لا أعرفه، ولكن تعارفنا بأسماء مستعارة.. حتى تعلقت به، وأبدى لي هو إعجابه بي، وتحول الحديث فيما بيننا إلى التعبير عن الأشواق.. وصار كل حياتي..

وجدت في صوته الدفء وفي كلماته الأمان، وقد حرمتني الظروف منهما، فأبي قد طلق أمي وتزوج بغيرها مذ كنت طفلة ورمى بي إلى أحضان جدتي وجدي، بعد أن حرمني من حضن أمي التي تزوجت من رجل آخر، فعشت طفولة تعيسة، أنهيت المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية وكانت نظرات الشفقة وكلماتها تمزق قلبي وإحساسي، فكانت ابتساماتي دائماً باهتة أو ميتة، وذهبت إلى المرحلة الثانوية بخطى متعثرة خائفة، ولا أثق بنفسي، وشخصيتي ضعيفة، وألوذ بالبكاء لدى أي نظرة ولو كانت بقصد أن تلفت نظري معلمتي لتشدني إلى الشرح من (السرحان) الذي طالما يسرقني من متابعة الدرس..

فأخرج – غالباً– صفر اليدين رغم أنني لست غبية، بل أتمتع بذكاء لا بأس به، وحتى لا أذهب بعيداً، صرت أسيرة محادثاته، سواء ما كان منها بالكتابة أو بالصوت.. حتى كشف عن رغبته الجامحة بالزواج مني، وكنت لا أعرف شيئاً عن حقيقته، فسألته، فأجاب: أنا فلان، من قرية كذا من الضفة الغربية!!

وأخبرني أنه سيقهر المستحيل حتى يصل إلي؛ لذا سيقوم بعمل إجراءات التنسيق الأمني مع الاحتلال، ليأتي إلى غزة عبر معبر ( X) لنتزوج ، ثم اندفع الدم إلى وجهها وهي تقول:أنا خائفة خاصة وأن الكلام بيننا خرج عن حدوده!!

فما رأيك؟ سألت: كيف يتسنى له التنسيق للمجيء إلى غزة، وبأي حجة ؟ صمتت، فسألت: هل أنت واثقة من اسمه الحقيقي؟ نعم. كيف توصلت إلى هذه الثقة ؟ هل سبق أن عرفت اسم القرية التي ذكرها؟ لا هل لك فيها أقارب أو معارف؟ لا ، هل يمكنك أن تسألي عنه أهل ثقة لينصحوا لك ؟ لا هل وجدت فيه شاباً موزوناً عفيفاً نقيا ؟ بصراحة: لا ، أم وجدت فيه فتى لعوباً قد أسرك بمعسول الكلام؟ لا.

إذن ماذا وجدت؟ حنوناً دافئاً حريصا!! ثم ماذا ؟ أحبني !! ما معنى أن الكلام فيما بينكم قد خرج عن حدوده ؟ اندفعت الدماء إلى وجهها وسكتت فجأة !! إذن كان ماجنا؟ صحيح، وصارت كل جولة أطول من سابقتها وأكثر وقاحة؟ ( بتلعثم ) صحيح!! هل عرفك؟ طبعا!! كيف وثق من صدقك ؟ لا أدري !! هل عرف أهلك ؟ نعم. !! من خلال حديثك عنهم أليس كذلك؟ نعم.

ومن المؤكد أنه أبدى لك ثقته فيك وفي صدق أقوالك؟ نعم. كيف تحقق من ذلك ؟ لا أدري !! هل رآك ( على الطبيعة ) ؟ لا !! هل رأى صورتك ؟ لا . هل رأيت صورته ؟ لا . لو تبين أنه أكبر سنا ، وأنه دميم ، أو مشوه أو معوق أو سكير أو... سألتني فجأة: أو ماذا؟ أجبت: أما وضعت احتمالاً - مهما كانت نسبته - أنه واحد من الشين بيت أو الشاباك أو عميل له؟

قالت (بشبه صرخة): مستحيل !! قلت : وما الذي جعله مستحيلا ؟ دفء كلامه وصدق مشاعره !! سالت دموعها فتركتها تبكي !! ثم سألت : هل بإمكانك السفر بالتنسيق الذي تحدث عنه ؟ لا أدري !! طيب .. لا سمح الله لو تزوجتما ودب بينكما خلاف ، وهو أمر متوقع جداً حتى في بيوت الأنبياء فأين أنت من أهلك ؟ ألك أقارب هناك ؟ لا !! إذن لو حدث مكروه - لا سمح الله - كموته أو اعتقاله لأي سبب، فهل تستطيعين أن تتدبري أمر نفسك وحياتك ، وأنت صاحبة الطفولة المحرومة من الدفء والحنان كما تقولين؟ لست أدري..

إن كنت لا تدرين فما الذي تدرينه إذن ؟ سكتت!! هل يعلم جدك وجدتك من هذا الأمر شيئا ؟ لا.. هل يعلم أبوك ؟ لا، ولكن لي أخت أعلمتها!! ماذا قالت ؟ أختي متزوجة ولا يهمها أمري، فرفضت طلبي ، ولا تتفهم مشاعري وحياتي !!

ابتسمت وقلت : كأن من يعارضك - فيما تريدين، يكون كأختك -لا يهمه أمرك، ولا يتفهم مشاعرك؟!! قالت: يعني. قلت : فلم تسألينني إذن؟ قالت: لأستشيرك!! قلت: وهل ستعملين بمشورتي ؟ قالت بصوت خفيض وتردد: نعم.. قلت: إذن إياك أن تتزوجيه أبداً أبداً .. خرجت صامته تتعثر بخطاها وكأنها تحمل هموم الدنيا فوق رأسها، ودعتها بكلمة واحدة: إياك..

ملفات أخرى متعلفة