التعددية الحزبية في الفكر الإسلامي وضرورات الواقع الفلسطيني (2-2)

عبد الله العقاد
الثلاثاء ١٦ ١٢ / ٢٠١٤
وقد رأينا أهمية التعددية السياسية وضرورتها، كما ورد في الجزء الأول من المقال، ولكن ما أخل بهذا المفهوم المتأصل في ثقافتنا حالة التناسل غير المسوغ لإنتاج أحزاب، أو اختلاق كيانات مجهرية ، لا يسوغه في أغلب الأحيان سوى ضعف آليات الحوار أو انعدامها بالكلية، أو الاستجابة للطموحات الذاتية لبعض الأفراد أو لنزعات المناطقية أو القبلية، فكل ذلك وغيره قد يفقد التعددية معناها أو يتنافى هو ومقصدها الأسمى.

وكذلك ما أحاط بهذا المفهوم من دخنٍ؛ نتيجة لما كرَّسه المستعمر الغربي من تفريق ٍللأمة، وتمزيقٍ لكيانها وتجزيئه وغير ذلك باستغلال التعددية بمفهومها السلبي، فكانت هي أداة قذرة لسياسته الاستعمارية القائمة على مبدأ "فرق تسد"، وكان بها إيقاعنا تحت قهره وسطوته؛ فأحكم سيطرته علينا، ونهب مقدراتنا، وصادر حقنا، وزيف وعينا أمةً لها اعتبارها وسيادتها بين الأمم، بل خيريتها وريادتها وشهادتها على العالمين.

وهذا ما سوغ به الإمام حسن البنا مؤسس أكبر حركة إصلاحية في العصر الحديث إنكاره للتعددية الحزبية وفق ذلك المفهوم وما استخدمت له أداة استعمارية لتمزيق كيانية الأمة، بإثارة النعرات الانشقاقية المختلفة، أو بتحريك النزعات انفصالية، فكان للأحزاب التي نشأت تحت مظلة المفهوم الغربي للتعددية أسوأ الأثر على الحياة السياسية في عصره ومصره.

ومن تحقيقي العلمي في رسالتي (الماجستير) التي كانت عن فكر البنا (رحمه الله) تأكد لي أنه لم ينكر مبدأ التعددية السياسية مبدأ عامًّا، ولكنه أنكر على التعددية السياسية ما أوجدته من حالات مرضية في كيان الأمة بفعل المسخ الاستعماري لجوهر مفهوم التعددية؛ فقد وُظِّفت التعددية بالمفهوم الغربي عندنا؛ لخلق حالة اضطراب وتضارب، وقطع الروابط الاجتماعية والاقتصادية، وتفكيك عُرى المجتمع وهتك نسيجه العام.

وهذا ما شكَّل بيئة مناسبة، لتركيب وصياغة المنطقة وفق ما يخدم مصالح المستعمر الغربي بالتمكين للكيان الغاصب (الكيان العبري)؛ فيسيطر على مقدرات الأمة ومقدساتها، ويؤثر على دفة قيادتها إلى الوجهة التي تحفظ بقاءه، وتميزه بالتفوق على محيطه الإقليمي؛ لتحقيق المبتغى من وجوده السياسي في المنطقة؛ فهو ليس أكثر من "كيان وظيفي".

فما يؤكد إيمان الإمام البنا بمبدأ التعددية السياسية دعوته لتعديل قانون الانتخابات ليكون الترشح فقط من طريق القوائم الحزبية، فيكون الانتخاب للبرامج والمشاريع السياسية، وليست الفردية التي تضغط على المرشح لتحقيق مصالح خاصة ومنافع ذاتية.

وحتى يتأكد المقصد من أهمية وضرورة الحزبية لابد أن يكون الهدف من وجود الحزب أو تأسيس حزب جديد مصلحة وطنية بامتياز؛ فيقدم برامج جديدة، ويعرض مقترحات حلول مبدعة، ويطرح مشاريع حيوية ومتميزة عما تطرحه الأحزاب الأخرى.

وبذلك تخلق حالة من التفاعل البناء في ساحة العمل الوطني، ويفتح الباب نحو التطور المستمر المستوعب للمتغيرات المتلاحقة في الساحات العمل السياسي بمستوياتها الثلاث (المحلية والإقليمية والدولية).

وإنه غالبًا ما تدفع حاجات المجتمع تلقائيًّا إلى التعددية السياسية بما تعكسه من برامج اقتصادية واجتماعية يتعزز بها البناء الديمقراطي السليم، والتداول السلمي للسلطة، فيكون ضمانة لتحقيق العدل، والتكافؤ في الفرص، والنأي عن احتكار القرار والمقدرات العامة، وتجريم احتقار القانون أو إهانة القضاء وتجاوزه.

ولذلك عد العلامة د. يوسف القرضاوي المذاهب أحزابًا في الفقه، والأحزاب مذاهب في السياسة؛ فالتعددية السياسية حق إنساني أصيل؛ فليس ألزم منها في هذا الزمن.

ولا مشاحة في الاصطلاح؛ لأن الحزب مصطلحًا أو اسمًا لا اعتبار له بذلك، ولكن الاعتبار كله لمضمونه ومسماه ومسعاه؛ فالحزب السياسي في ماهيته (كما ورد في موسوعة السياسة للمؤسسة العربية للدراسات) ُيطلق على مجموعة من المواطنين، يؤمنون بأهداف سياسية، وفكرية (أيدلوجية) مشتركة، وينظمون أنفسهم بغية تحقيق أهدافهم، وبرامجهم بالسبل التي يرونها محققة لهذه الأهداف، ومنها الوصول إلى السلطة في المجتمع الذي يعيشون فيه.

وقبل أن أختم مقالتي تلك وجب التحذير من انعدام التعددية السياسية مع كثرة وجود أحزاب سياسية؛ فإن كثرة الأحزاب السياسية ليست بالضرورة تعكس تعددًا سياسيًّا حقيقيًّا؛ فقد يراد منها مهمة وظيفية لغير ما يجب أن تؤديه، فيغلف بها _مثلًا_ حكم ديكتاتوري شمولي، وذلك بإيجاد جملة الأحزاب الهلامية التي تعدُّ بعناية وخبث؛ حتى لا تقوى على الاستقلالية في الطرح والبقاء، ويغيب عندئذٍ التنافس المتكافئ بينها؛ فتتعطل الديناميكية السياسية الفاعلة، فلا يكون من مسوغ لوجود تلك الأحزاب جميعًا سوى الدوران في فلك الحزب الأوحد (الحاكم)، سواء المؤيد منها والمعارض، فكل منها يؤدي دوره بشكل ديكوري بحت، وبلا أي مصلحة وطنية قط.

ففي الديمقراطيات القوية تجد التنافس غالبًا ما ينحصر بين حزبين كبيرين، كل منهما له طرح مختلف عن الذي لدى الآخر في المسائل السياسية، والمواقف الدولية، والقضايا الاقتصادية، والمشكلات المجتمعية المختلفة.
وأخي القارئ، هكذا عِلم السياسة وعالمها الرحب، تبقى الأمور فيها مقدرة حسب مآلاتها، وأولوياتها، وتختلف "المآلات والأولويات" حسب الزمان والمكان، وتختلف أيضًا بتنوع أوضاع الزمان والمكان في البلاد والعصور المختلفة، وفيما قد ينتج عن سياق التطبيق من تنوع وفيما يفضي إليه الأمر في التطبيق.

وأما مُلخص القول فإن التعددية في الإسلام أصل في سائر الأشياء، والتعددية السياسية داخلة في مفهوم التعددية بشموليته، ولكنها ليست مطلقة بل يجب أن تكون منضبطة في إطار المبادئ العامة التي بينها الإسلام فيما يُعْرف بقواعد النظام السياسي، وفي ضوء المقاصد العامة للشريعة السمحة.

ملفات أخرى متعلفة