الحالة الإبداعية الفلسطينية وحاضنات الإبداع

أشرف مقداس
الجمعة ٠٥ ١٢ / ٢٠١٤
تطلع علينا بين فينة وأخرى إعلانات لمؤسسات تزعم رعايتها للإبداعات الفلسطينية، وتنادي على المبدعين كي ينضمّوا إليها ويسجلوا إبداعاتهم، ونرى كذلك جهات أخرى تنادي بمهرجانات وبرامج الإبداع والتميز، ولما يكتشف أحد المبدعين _سواء أصغيرًا في السنّ كان أم كبيرًا_ فإن الجميع يتحلّق حوله، ويدعوه للانضمام إليه، وهكذا حتى تنقضي المسألة وتعود الحالة كما كانت من قبل، بانتظار ملهَم ومبدع جديد.

إنّ هذه الحالة المَرضيّة _من وجهة نظري_ تعبّر عن فوضى وتخبّط في مأسسة الحالة الإبداعية الفلسطينية، وعدم وجود حاضنات راعية، تقدم خدماتها باستمرار وبطريقة مخطّط لها وموزونة إداريًّا وفنيًّا، تسمح باكتشاف الحالة الإبداعية وتنميتها وتطويرها والارتقاء بها، تمامًا كما يحصل مع الدول الغربية، التي تختار للطفل مستقبله المهني والفني ومهارته التي يمكن أن يبدع فيها في المستقبل، وبناءً على ذلك ترسم له منهجًا في الحياة يسير عليه بتوازٍ مع الحياة العادية، ولا تخلق أي تعارض مع الحالة الإبداعية الجديدة.

إنّ ما يدفعني إلى طرح هذه القضيّة رؤيتي التشرذم الحاصل في رعاية الإبداع في فلسطين، وعدم وجود مظلّة يمكن أن تحتضن المبدعين وتنمّي قدراتهم الإبداعية، فما نراه من حالة إبداعية عند الجيل الجديد من أبنائنا وأطفالنا _وهو يشكّل طفرات في المجتمع_ إنما هو في غالبه نتاج جهد عائلي ذاتي، واهتمام من الوالد والوالدة في المنزل، والبيئة المحيطة بالطفل، فتجده ينمو ويكبر منذ نعومة أظفاره حافظًا لكتاب الله (تعالى)، أو أديبًا أو شاعرًا أو فنانًا تشكيليًّا أو مطربًا أو مخترعًا، وإلى غير ذلك من المواهب والمهارات؛ هذه المواهب مجتمعة هي بحاجة لحاضنات تعمل دائمًا على رعاية هؤلاء المبدعين، وتجميل هذه المواهب بإبداعات إضافية تضيف جمالًا إلى جمال إبداعهم، وترتقي بهم على سلّم المجد، وتبرزهم للعالم أنّهم من فلسطين، من قلب الجرح النازف، من عمق الآلام والحصار والتجويع والدماء، لنُقنع العالم بأنّنا شعب حرّ أبيّ يستحق الحياة الكريمة، ويستحق الحرية والانعتاق من جور المحتل الصهيوني الغاصب.

الهمسة هذه المرّة نطلقها بصوت مرتفع يعانق الجوزاء، أناشدكم بالله على المستوى الرسمي والأهلي والشعبي، في المدارس والمعاهد والجامعات، يا جماعة، يا جماعة، أبناؤنا أمانة في أعناقكم، فلا تقتلوا فيهم الإبداع، ولا تظلموا نفسًا تتوق لأن تخاطب العالم بما لديها من قليل إبداع، في وقت قد لا تجد فيه القليل من الخبز والملح، ينبغي أن تنبري المؤسسات والوزارات الرسمية في الوطن وتجتمع لتمثّل إطارًا جامعًا للإبداع، يتواصل مع جميع الأذرع والمؤسسات ذات العلاقة؛ فالتعليم يتواصل مع المدارس والمعاهد والجامعات، والثقافة تتواصل مع مؤسسات الثقافة والفكر والفن، والرياضة كذلك والاقتصاد والأوقاف والعدل، وجميع أركان الدولة، بحيث تُفرز كل منها مبدعين، وتضع لهم برنامجًا تثقيفيًّا وتوعويًّا يتمثل بأنشطة منهجية ولا منهجية خلال أيام الدراسة، وفي الإجازات، بحيث تأخذ شكل المخيمات الإبداعية، ليشعر الشعب بأن من يرعاهم يقوم بمسئوليته التي أمره الله بها، وحثّهم عليها النبي المصطفى (صلى الله عليه وسلم)؛ لنعيد للأمّة مجدها، ونهيئ الجيل لخوض معركة العودة إلى ملتقى الأنبياء ووطن الأجداد والآباء.

ملفات أخرى متعلفة