الاختراق الأمني وانعكاساته على الجبهة الوطنية (2-2)

عبد الله العقاد
الاثنين ٠١ ١٢ / ٢٠١٤
الاختراق الفكري السياسي
يتحقق يوم أن تصبح المصلحة الوطنية والأمن القومي الحفاظ على بقاء الكيان العبري، وليس هذا فقط بل أن يكون متفوقًا في الميزان العسكري والتقني عن دول المحيط الإقليمي؛ لضمان عدم زعزعة وجوده؛ فيختل الميزان الإستراتيجي في المنطقة؛ فيتأثر وجود أنظمة شرعية برعاية مصالح الدول الكبرى التي أوجدتها، أو أقرَّت هذا الوجود لها.

كما هو واقع _في تقديري_ لدى كثير من أنظمة التبعية العربية، المتوهمين بل الموهمين بأن "الإخوان المسلمون" وغيرها من القوى الحية في الأمة هم الخطر الحقيقي على الأمن الوطني والإقليمي والقومي، حتى وصل الأمر ببعض تلك الأنظمة إلى وصف تلك القوى الحيَّة بالخطر الكوني، وكأنهم كائنات فضائية تغزو كوكب الأرض.

لذلك استحقت تلك النظم أن توصف بأنها كنز إستراتيجي للكيان العبري، في إشارة إلى ما قاله وزير الحرب السابق (بنيامين بن إليعيزر)، وهو يصف زعيمًا عربيًّا مخلوعًا.

فهذا النوع من الاختراق تتمثل خطورته في أمرين، أولهما: أن تتأطَّر فيه دول وأحزاب ومؤسسات وتيارات متعددة المنازع والمشارب في خدمة أهداف، هي في المحصلة خدمة بقاء الكيان الصهيوني.
ففي الاختراق الأمني نتحدث عن أفراد يلاحقهم الخوف والعار، أما هنا فالحديث عن جماعات وكيانات.
وثانيهما أن: العميل الفكري في الأغلب لا يجد في نفسه الحرج مما يفعل، بل يداعبه شعور الوطنية والغيرة على مصالح أمته ووطنه، مقنعين أنفسهم بالدور الذي يؤدونه.

ولكن ذلك المستوى من الاختراق الفكري على خطورته وتأثيره الفتاك على قوى المقاومة والنهوض يبقى متواضعًا، إذا ما قورن بما يحدثه الاختراق النفسي من حالة ضياع وانصياع لما تمليه ماكينات العدو الإعلامية والسياسية؛ فينبع الذل والقهر من النفس الذي هو أخطر بكثير من أن يفرض عليها، كما قال الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي: "ليس الخطورة أن يفرض علينا الذل من المستعمر، ولكن الخطورة أن ينبع الذل من نفس المستَعمَر".
(4)
الاختراق النفسي
فالاختراق النفسي هو امتلاك مهارة تحطيم المقاومة دون قتال، أو الاقتناع بعدم جدوى المقاومة؛ لهذا إنه قد يهدأ المطبخ الأمني الصهيوني، وكذلك العسكري والسياسي، ولكن لا يهدأ أبدًا المطبخ السيكولوجي؛ لأنه ينال من عموم الناس، لا فئة دون أخرى، لذلك قادة الكيان شديدو الحرص على الاستمرار في قصفنا بأفواههم الإعلامية بأدوات كثيرة تنفث سمومًا قاتلة، مكر الليل والنهار ليردُّونا عن حقنا ويُردُونا في مهالك الظالمين {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ..} الآية.

كل ذلك وغيره لتثبيت وجودهم وتطبيعه على تلك البقعة المقدسة، فهم _وإن كانوا يتملكون كل هذا المكر_ يعلمون علم اليقين أن بقاءهم جاثمين على صدر تلك الأمة مرهون بحالة التغييب التي تعيش فيها أمتنا العربية والإسلامية بفعل تلك الحيل الشيطانية، وأزلامهم التي تحرص كحرصهم على ضمان بقائهم على أرضنا.

فاسمعوا ماذا يقول (مناحيم بيغن) في كتابه "التمرد": "يجب أن نعمل بسرعة فائقة قبل أن يستفيق العرب من سباتهم فيطلعوا على وسائلنا الدعائية، فإذا استفاقوا ووقعت بأيديهم تلك الوسائل وعرفوا دعامتها وأسسها؛ فعندئذ سوف لا تفيدنا مساعدات أمريكا، وتأييد بريطانيا، وصداقة ألمانيا، وسنقف أمام العرب وجهًا لوجه، مجردين من أفضل أسلحتنا".

فالاختراق النفسي هو السلاح المعتمد الذي يراهن عليه عدونا في معركة البقاء، ولكن تدعيم الإيمان بالحق هو الركيزة الأساسية لتحصين المجاهد ضد الحرب النفسية، ثم اعتماد سياسة الهجوم المركَّز والهادف، بعيدًا عن الارتجال والعشوائية، بذلك يمكننا أن نردَّ إليهم سلاحهم في نحرهم.

(5)
الخطورة والتأثير
من هنا لو رتبنا مستويات الاختراق من حيث درجة الخطورة والتأثير؛ لوجدناها تتدرج تصاعديًّا، كيف ذلك؟
إن الاختراق النفسي يتصدر درجة الخطورة بما يعم بتأثيره الجميع، ولا يستثني أحدًا، ويترك صداه في جميع أجزاء "الكل المقاوم".

أما الاختراق الفكري وما يحدثه من عمالة بالجملة، بحجة المصالح العليا؛ فإنه يأتي في المرتبة الثانية بعد الاختراق النفسي الذي وضح سبب خطورته سابقًا، ويأتي قبل الاختراق الأمني الشخصي الذي يبقى من سقط في شباكه شاذًّا ونشازًا.

ولكنَّ الاستشعار بالخطر والخطورة _يا للأسف_ يتدرج تنازليًّا، وهذا ما يجب الحذر كل الحذر منه؛ فليس معنى ذلك التهوين (لا سمح الله) من شأن خطر السقوط الأمني على الصعيد الفردي، ولكني أحرص هنا على الالتفات إلى ما يحدثه الاختراق الفكري والاختراق النفسي من مخاطر وتداعيات تتضاعف أضعافًا كثيرة عما يحدثه الاختراق الأمني بمستواه الفردي.

ومن الجدير ذكره أن مستويات الاختراق يؤثر بعضها في بعض، فالاختراق النفسي يؤثر تأثيرًا بالغًا في الاختراقين الفكري والفردي، وكذلك الاختراق الفكري يؤثر في الاختراقين الفردي والنفسي.
وهذا ما يفسر تعاطي كثير من المنابر الإعلامية لفصائل وأحزاب وكيانات عربية وفلسطينية مع الروايات الصهيونية، وبث الأراجيف والشائعات التي يلقيها العدو في ساحتنا عبر أدواته المختلفة.

وتجرأ ضعاف الإيمان والنفوس على مدِّ العدو بمعلومات أمنية عن المقاومة في إطار المناكفات السياسية، وإن الاختراق الفردي يؤثر في تعزيز الاختراق الفكري والاختراق النفسي، إذ يُوجَّه العملاء المُحمَّلين بالأفكار السُّمية والأراجيف المُخذِّلة والأكاذيب الملغمة، فيلقونها في آذان السذج أو تتلقفها ألسن الببغاوات فيقذفون بها في الفضاء الوطني؛ لتكريس حالة من الإحباط والشعور بالدونية أمام العدو، {وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم}.

ملفات أخرى متعلفة