الاختراق الأمني وانعكاساته على الجبهة الوطنية (1-2)

عبد الله العقاد
الاثنين ٠١ ١٢ / ٢٠١٤
قديمًا قالوا: "ليس بعد الكفر ذنب"، كيف لا وهو جحود بنعمة الخالق ونكران بجميل النعمة؟!، وعلى الميزان نفسه نقول: "ليس بعد الاحتلال جُرم"؛ فالاحتلال أبو الخبائث؛ لأنه استباحة لحرية أمةٍ، ونهب لمقدرات أجيال، وأخطر من ذلك أنه تزييف للوعي، وقهر للإرادة، وانتهاك لكل الحرمات، وتجاوز لكل المحرمات.

كل هذا وغيره ونحن نتحدث عن مجرد الاحتلال، فكيف لو كان الحديث عن ذلك الاحتلال الصهيوني الذي تقوده عصابات القتل المأجورة؛ لتحقيق مآرب دولٍ اعتلت على بحور من الدماء، وأكوام من الجماجم والأشلاء خلال حربين عالميتين أهلكتا الحرث والنسل؟!

أجل، إنه احتلالٌ تسربل بأسمال تاريخٍ مزيف، وتدثر بثياب ديانةٍ محرَّفة، واكتسى بحلة تلمودٍ مختلق، عندئذٍ سيكون الحديث عن القذارة في ثوب الحضارة التي تجيد القتل بسكين الإنسانية الطاهرة.

ويأتي قرار حكومة الاحتلال الأخير بإقرار قانون يهودية "الدولة" (في إشارة إلى الكيان)؛ فإنه لن يغيّر من الواقع شيئًا، فشعبنا في الداخل المحتل (أراضي الـ48) يمارس بحقه كل ألوان التفرقة العنصرية بأبشع صورها قوم لا خلاق لهم.

كيف لا وهم يرون كل من سواهم أغيارًا، لا سبيل عليهم أن يجترحوا بحقهم كل الموبقات الإنسانية؟!، ولكن الجديد انكشاف هذه الحقيقة لمن أعمته الدعاية الصهيونية عن رؤية الحق بهذا الإقرار العنصري (أبرتهايد).

فعدُّونا الصهيوني جاد السعي لمسخ هويتنا، وتغييب معالم شخصينا الفلسطينية بكل تجلياتها الحضارية والثقافية، فهو لا يتورع عن استخدام الأقذر من الأساليب، والأجرم من الوسائل في مواجهتنا؛ لهدم عوامل النهوض فينا، ويقوض قوانا الحية الممانعة للتجاوب مع دعوات "التطبيع" مع هذا الكيان الشاذ الغريب عن ثقافتنا وحضارتنا، الذي غرس بفعل أطماع "استعمارية" تريد تحقيق مصالحها على حساب وجودنا وشهودنا الحضاري.

ولكن عند النظر إلى ما قد يحدثه أي اختراق أمني في أيٍّ من مستوياته لجبهتنا الوطنية؛ يبقى الاختراق الأمني في حالته الفردية على ما فيه من خيانة وإضرار بمصالحنا الوطنية العليا متواضع الأثر في إضراره، إذا ما قُورن بما يكرسه الاختراق الفكري السياسي من الوهن والضعف، إذ يمس بالهوية الحضارية والشخصية الوطنية، وما يوجده كذلك الاختراق النفسي الذي يجعل ضحاياه دُمى في أيدي أعدائهم يسيرونهم إلى حيث يريدون.

في أولى خطوات المواجهة المفتوحة مع العدو على تلك الجبهة الأهم (صراع الأدمغة والإرادات) إن الضرورة الوطنية توجب المعرفة بجوهر قضيتنا وطبيعة الصراع؛ لأن ذلك يُشكل فلسفة الصراع الأمني (العقيدة الأمنية).

وكذلك تتهيأ الأرضية الصلبة لدفع كل محاولات العدو اليائسة التي تستهدف جبهتنا والنيل منها، وذلك باتقاء شباكه، ومعالجة آثار محاولاته، إذا ما حلَّ بساحتنا أو خرق متن جبهتنا (المقاومة)، أو نال من سنده (المجتمع)؛ فهو الظهير والحاضن الذي يمدنا بأسباب الصمود، وديمومة المواجهة حتى يأذن الله بالنصر والتمكين.

وقد حرصت أن أعالج جانبًا هامًّا عن كلٍّ من حالات الاختراق الأمني بمستوياته الثلاث، وما يحدثه في كل مستوى من تداعيات واهنة، وتأثيرات سلبية في بنية مجتمعنا المقاوم، وعزائم المقاومين، وما قد يتركه من قرح في النفوس المؤمنين بقضيتهم.

(2)
الاختراق الفردي
إن أول مستويات الاختراق هو "الإسقاط في جريمة العمالة"، وهو ما يمكن أن يصطلح عليه بـ"الاختراق الفردي"، الذي يحدث بوسائل متعددة، وأشكال عدة، حسب كلِّ حالة وما تطلبه من أدوات قذرة وفنون شيطانية، غالبًا ما تقوم على الابتزاز واستغلال حاجة الضحية من قومٍ لا خلاق لهم، حتى إذا ما أمكنوا من ضحيتهم وكان لهم ما أرادوا مسخوا ذلك الإنسان وحشًا قاتلًا بعد إفراغه من محتواه الوطني والديني؛ فيُوجَّه وفق ما يريد مُشغِّلُه، من هتك أسرار المجاهدين، وفحش في الأعراض، وقتلٍ وتخريبٍ وعبثٍ بممتلكات المواطنين، وغير ذلك الكثير مما يمكن أن يحدثه العميل من فحش القول وتفحش في الفعل.

وهكذا يبقى العميل معول هدم، ومحراك سوءٍ، ومع كل جريمة يقترفها يزداد توحشًا، ويصبح أكثر خطرًا من ذي قبل، مثله في ذلك مثل العطشان الذي لا يزيده شربه من ماء البحر إلا ظمأ.

ولكن مع تلك الخطورة التي يمثلها ذلك المستوى من الاختراق على الصعيد الفردي يبقى محدود الأثر، لو قيس بما يحدثه الاختراق الفكري السياسي، أو الاختراق النفسي الدعائي من الوهن والضعف في المجتمع المقاوم؛ لأن العميل يبقى منبوذًا مخزيًّا، ومخفيًا متسربلًا في جبنه وهلعه، يعيش نشازًا مذمومًا، في صراع مع نفسه ومجتمعه طوال حياته.

أما عندما تصبح "العمالة" وجهة نظرٍ (...)، ولكن كيف؟، ومتى يكون ذلك؟، هذا ما سنأتي عليه في الجزء الثاني من المقال.

ملفات أخرى متعلفة