العمل الوطني.. وضرورة الجمع ما بين "الاستراتيجي" و"التكتيك"..!

عبد الله العقاد
الأحد ٢٣ ١١ / ٢٠١٤
(1)
جوهر الصراع
بين وعدين.. وعد حقٌ، ووعد مفترى، يدور رحى الصراع مع الصهاينة المحتلين على هذه الأرض (المقدسة)، حيث تتقابل الإرادتان في تدافعٍ مستمر بينهما، جريًا على أحكام قانون التدافع الحضاري الذي لن تجد له من دون الله تبديلاً، ولن تجد له تحويلاً.. فهو من سننه الكونية.

ومعلوم بالضرورة؛ أن قانون النفي المتبادل هو ما يحكم العلاقة بين طرفي المعادلة.. (إمَّا نحن أو هم..!) فإنه إذا ثبت حقنا وتثبَّت وجودنا الحضاري على هذه الأرض زال قطعاً وجود - الدَّعي – الآخر.

فنحن وهم ضدان لا نلتقي، ونقيضان فلا نجتمع معًا على محل واحد في وقت واحد، إلا وأحدنا محكوم للآخر، واقع تحت قهره وسلطانه..!

إذًا، فليس أمامنا إلا خيار أوحد ووحيد, وهو تحقيق وجودنا، وتعزيز سيادتنا على هذه الأرض المباركة، أو (النفي) لا نكون أمة عزيزة تحت الشمس..!

فإن حقنا بأرضنا ثابت بمنطق التاريخ المؤيد بالدين الحق، كما أنه ثابت بحكم الواقع الماثل الذي لا يمكن أن يغير معالمه الحقيقية كل هذا الزيف، والتهويد للأرض، والتهجير القسري لصاحب الأرض - هذا ما يمارسه الاحتلال ويعينه عليه قوم آخرون في سباق محموم مع الزمن- وهو مستمر في مسلسل الحقن (الهجرة الصهيونية) بشذاذ الآفاق لتغيير ديمغرافية الأرض..

لأننا امتداد لهذه الأرض، ونحن أهلها الشرعيون عبر تاريخها الطويل، وإن كانت قد تشرَّفت – فلسطين - بمجيء ثلة من الأنبياء (عليهم السلام جميعاً) كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف ويوشع وداود وسليمان الذين نحن أولى بهم (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي..) الآية.

فإن هذه الأرض المباركة لم تخلُ - يوماً – ولن تخلو من شعبها (الفلسطيني) بكل أعراقه وأطيافه وثقافاته، حتى يشغلها الأغراب المحتلون..

(2)
الاستراتيجي والتكتيك
فكل ما سبق الحديث فيه حق استراتيجي ثابت، لا يوجد فيه نزاع، ولا تدور حوله شبهات، ولا يتطرق إليه شك ولا ريب بين الكل الوطني الفلسطيني.. وأنه لمأمول التحقق على المديات المتقدمة، وفق مراحل متعددة، وبرؤية واضحة، ومسارات متكاملة.

لكن - وبكل أسف - لا زالت ساحتنا الداخلية يتنازعها قطبان أصيلان.. يجد كل قطب في نفسه أنه نقيض للآخر، فما تقدم أحدهما إلا رأى الآخر أن مسار خصمه يتعارض مع مساره..

والحقيقة أن الخلاف القائم موهوم؛ لأن الواقع والضرورة السياسية توجب العمل الوطني بكلا الاجتهادين والسير معا في مسارين متلازمين.. حتى لا نبقى نراوح مكاننا مثقلين، وعدونا في كل ليلٍ ونهار يخلق وقائع فهو دائب السعي لتغيير الواقع.

إن الخلاف مبعثه سيطرة بعض المفردات بل الترهات التي تتقاذفها أفواه ما ألقت لها بالاً.. فجعلت من الجمع بين المسارين محالاً، ومن الوَحدة بين القطبين وكأنه الجمع بين النقيضين .. ؛ لأنك تجد غير قليل ممن يتصدر المشهد السياسي وقد دفعته الضرورة واستأنس بالقدر وإن لم تبلغ به قدرته ذلك المكان وتلك المكانة.. فيسمعك كلاماً لكثرة تكراره يظنه السامع قانوناً ملزماً أو مبدأ لازماً، كـقول: نحن وهم خطان متوازيان، النقيضان مختلفان، وضدان لا نجتمع.. وجملة غير قليلة من تلك الترهات التي نجد صداها في أرجاء الفضاء الوطني بعمومه، وتأثيرها يتجلى في كل تشوهات الإطار السياسي العام..!

ولكن، لو اقتربنا لنرى الحق فينظر كل طرفٍ إلى الآخر على أن اجتهاده خطأ لكنه يُحتمل فيه الصواب، والعكس؛ لأدركنا حقيقة أن الخلاف القائم اختلاف تنوع وليس تضادا, فهما رؤيتان محقتان، لا أقول يمكن الجمع بينهما بل يجب الجمع لتتكامل الأدوار، ونسير في اتجاهات متناغمة.

(3)
قطب الاستراتيجية الوطنية
ولكنك تجد أحد قطبي المعادلة الوطنية ومن باب الخشية على الحقيقة ومظنة ضياع الحق، يعكف جاهداً لا يبرح (الاستراتيجية) متشبثاً بها، لا يريد أن يغادرها؛ خشية الهلاك على نفسه في شِعاب سياسة وتشعباتها، ومخافة التيه في أروقة الدبلوماسية ودهاليزها المختلفة.. فهو لذلك، ولغيره متشكك بكل تحرك ينزع لغير تلك الوجهة التي ارتضاها لنفسه..

ومعلوم أن فقه السياسية الشرعية مضبوط بجملة من ألوان الفقه المعاصر، منه: فقه الموازنات.. القائم على تقدير المصالح وحسن تقييمها، ودفع المفاسد بما به تندفع. وفقه المآلات.. وهو ما يوجب النظر إلى ما يفضي إليه العمل وإن كان أصله مشروعاً. وفقه الأولويات.. بحيث نقدم ما واجبه التقديم ونؤخر ما واجبه التأخير. وفقه الواقع.. وهو ما ينبني عليه ضرورة التخصص وترك الأمر لأهله، ففهم الواقع لازم الحكم؛ لأن الحكم على الشيء فرع لازم من تصوره. وفقه التغيير.. القائم على ضرورة فهم طبيعة النفس البشرية والمجتمعات ومعرفة الناس وأحوالهم وعاداتهم؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطاً..

فالعمل السياسي وفق المنظور الشرعي محكوم في مسيره بمتطلبات الواقع، وتأثيرات الظروف المحيطة، وتقلبات الأحوال، وأنه لا يُطلب تحقيق ما هو فوق الطاقة..

كما أنه لا يجوز بحال تعطيل أيٍ من مسارات العمل الوطني المشروع، أو إيقاف مسيرة التحرك السياسي الجاد؛ لانتظار الموعود الغيبي.. فهي دائمة حركة، الحكم فيها غير متغير (ثابت) ولكن محله يتغير؛ فيتغير الحكم لتغير محله.. كل ذلك في طريقه لتحقيق الواجب (الاستراتيجية).

(4)
قطب التكتيك الوطني
وفي المقابل تجد في القطب الآخر من يتفلت من الاستراتيجية، ويبتعد عنها فراراً من الاتهام بالراديكالية والجمود، وكأنها عارض في العمل السياسي متناقضة مع ما يمكن تحقيقه.. فتجده يتنصل من الدعوة لذلك الحق فيجعل مما تفرضه ضرورات الواقع وكأنها هي المطالب الأصيلة فينقلب المرحلي استراتيجيا .. وهكذا في تنازل مستمر حتى ينحسر حقنا في فلسطين في تسيير حياة سكان وإطعام لاجئين مهجرين..!

فيعمل جاهداً على تجميد جبهة الصراع على تلك الحالة.. فيلتبس حاله بالوطني الذي يُجيز له الاجتهاد السياسي السير في مراحل (التكتيك) ولكن بما لا يتعارض أو يتناكر مع الوصول إلى كامل الحق (الاستراتيجية)، وبالخائن العميل الذي يحمل دعاية الطرف المعتدي، ويتحالف معه، فيقدس ما كان واجبه اللعن بالمفهوم الوطني ولكن أوجدته الضرورة، ويلزم نفسه بما يتعارض مع مصالح شعبه وأمته، ويعمل في اتجاه غير ما تدفع به عقيدتنا الوطنية في العمل السياسي..
وحتى لا نبقى في هذا التردي السياسي لحين إدراك الواجب الجمع بين المسارين - الإيمان بكامل الحق يوجب التكتيك المرحلي- في إطار رؤية وطنية شاملة؛ لتتكامل الأدوار، ونقطع على عدونا العزف على خلافنا ليُغيّب بيننا التناقض الرئيس معه..

ملفات أخرى متعلفة