إقرأ المزيد <


وقودٌ يشعل انتفاضة

د. زهرة وهيب خدرج
جمعة ٢١ ١١ / ٢٠١٤
خلق الله النار، وجعل فيها قوة عاتية، قادرة على إحالة أشياء كانت تبدو للعيان ضخمة ولا يستطيع أحد المساس بها، ولكن هذه النار العجيبة تحيلها بعد دقائق إلى رماد هش تذروه الرياح، فما كان كبيرًا وقويًّا يغدو أثرًا بعد عين، ولكن هل ممكن لهذه النار أن تشتعل من دون شرارة تبدؤها، ويعلو لهيبها من دون وقود يمد اشتعالها بعد ذلك؟، وبعد أن تشتعل هل ممكن لصغار أن يُعيقوا امتدادها؟، أم أنها حين تشتعل تحرق كل من يقترب منها أو يحاول الوقوف في وجهها؟

الشرارة الأولى في بيت المقدس الحبيب كانت الطفل الشهيد محمد خضير، الذي أشعل نار انتفاضة القدس؛ بسبب الظلم والبغي عليه، عندما أحرقه عتاة المستوطنين حيًّا، فبدأ إخوة الأرض يثأرون لدم محمد بكل الوسائل التي يمتلكونها، فنفذوا عمليات طعن، ودهس للمستوطنين الطغاة، الذين اعتقدوا أنه لا يوجد قوة تستطيع إيقافهم، فهم الأكثر تفوقًا في العتاد والسلاح والتدريب على فنون القتل والغدر، ونسوا أن الضحية تستطيع ابتكار أساليب ربما لا تخطر على الذهن، فتدافع بها عن نفسها، وتصرخ في وجه الظالم قائلةً: "كفاك ظلمًا".

ولم يتوقف الصهاينة بل زادوا من حدة اعتداءاتهم، فأخذوا يدنسون أقصانا يوميًّا بصورة استفزازية، ويأسرون نساءنا المرابطات فيه، ويعتدون بالضرب والقتل على كل من يتمكنون منه، وها هم قتلوا الشاب حسن الرموني (رحمه الله، وجعل الجنة مثواه) شنقًا؛ ليصبح الرموني وقودًا يمد نار الانتفاضة ليزداد أوارها ولهيبها فتحرق الغاصب وتزيل الظلم.

يعتقد بعضٌ منا أن إغلاق المنافذ كافة والتضييق على مجاهدينا كفيلان بأن يخمدا لهيب انتفاضة القدس، ليتركا مدينتا الحبيبة وأهلها الأعزاء على قلوبنا لقمة سائغة يمضغها المحتل الغاصب، ويتجرعها على مهل حتى ينتهي منها فيتملكها، فيقف هؤلاء بعد ذلك يبكون ويتحسرون على المقدسات المسلوبة ويشجبون ويستنكرون، ويلقون الخطابات الرنانة والرثائيات، فتنطبق عليهم حينها مقولة عائشة الحرة التي قالتها لابنها أبي عبد الله الصغير عندما وقف يبكي البلاد بعد سقوط غرناطة، إذ قالت له: "لا تبك كالنساء على ملكٍ لم تصنه كالرجال".

لن تكون حوادث القتل هذه هي الأخيرة؛ فما دام هناك متغطرس متجبر، يعتقد أن الدنيا ما خلقت إلا لأجله ولأجل سعادته ورضاه؛ سيتكرر ما حدث.

ما على الضحية إلا أن تقف وقفة عز، وتصرخ في وجه المتجبر، وتغضب غضبة حق.

ملفات أخرى متعلفة